بحث



OLD

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الاهتراء وغياب الاخلاص

فهد بن عبدالله السماري
    عندما ينحو أي مجتمع نحو الاصلاح والتطوير تتجه الأفكار الى البنية الادارية وخاصة المسؤول والموظف في تلك البنية من حيث الاداء واسلوب العمل. وأي عمل يتم تنفيذه تظهر نتائجه حسب الأداء والجهد المقرونين بالاخلاص من عدمه مع الحسن في التنفيذ أو عدم وجوده. وفي حال غياب الاخلاص وحسن الأداء فإن النتيجة هي الاهتراء الاداري والضعف الذي لا يستطيع أن يواكب أي اصلاح أو تغير. لذا يمكن ملاحظة أن بعض الادارات الحكومية أصبحت عرضة للاهتراء بسبب مواقف بعض العاملين فيها من حيث اللامبالاة وعدم الاخلاص في العمل وقلة الرغبة في بذل الجهد والانشغال بأمور أقل أهمية.

هذه السلبية في الأداء تؤدي بلاشك إلى تغلغل عوامل الاهتراء إلى أي مؤسسة إدارية. كما أن هذه السلبية تصبح مرتعاً خصباً لسلبيات أخرى تنتشر في المحيط الاداري من حولها.

ومن السلبيات التي تقود إلى الاهتراء الإداري تلك البيروقراطية الشديدة التي ينتهجها البعض في العمل بشكل يؤدي إلى اعاقة العمل من جهة وظهور بيئة غير مفيدة لانجاز العمل من جهة أخرى. فهناك البعض من الذين يبادرون إلى بناء بروتوكولات معينة حولهم تعيق الاخرين من الوصول إليهم بسهولة مخالفين في ذلك سياسة الدولة ومنهج قادة البلاد حفظهم الله. بل يتجاوز البعض ذلك إلى درجة أن رؤية ذلك الموظف سواء من قبل العاملين معه أو المراجعين تصبح أمراً مستحيلاً؟! ورغم أن هذا الابتعاد والانعزال ليس له ما يبرره إلا أنه يزداد لدى أولئك الذين يهتمون بأنفسهم فقط دون الاكتراث للمصلحة. ويرتبط بهذه البيروقراطية تقاليد عديدة لا تتعلق بالعمل على الاطلاق مثل المظاهر في الاستقبال والأثاث المكتبي وتناول القهوة والشاي وعرض المعاملات وغير ذلك.

والملاحظ أن تلك التقاليد والبيروقراطية تشغل الكثير من وقت العاملين الذين يهتمون بها إلى درجة أنها تسيطر على تفكيرهم بشكل مبالغ فيه لا يصل إلى مستوى الاهتمام بالعمل الفعلي الذي هم مسؤولون عنه.

ومن مظاهر الاهتراء ذلك التنافس الذي يحدث بين العاملين في المجال الإداري بشكل لا يصدق ويضر بالعمل وببيئته ومحيطه. فالملاحظ أن هناك من ينظر إلى العمل مع زملائه وكأنه سباق محموم من التنافس مما يؤدي إلى الاختلاف حول الصلاحيات والارتباط الوظيفي دون اكتراث لما هو أهم وأجدى وهو العمل ذاته. والذي يغذي هذا الاختلاف والصراع بين البعض في العمل الإداري هو الفهم القاصر لفن الإدارة والضعف الواضح في البناء المعرفي للإدارة لدى البعض إلى جانب المنظور الشخصي الذي يسيطر في بعض الحالات على مواقف البعض.

وهنا يبرز مظهر آخر من مظاهر الاهتراء وهو التأخر في انجاز العمل بقصد لأن البعض يرى أن في ذلك التأخير فائدة شخصية لهم لا علاقة لها بالعمل. فالبعض يستمتع بكثرة السؤال من قبل الآخرين عن المعاملات وهي جاثمة على مكاتبهم رغم قلة حجمها وعدم حاجتها إلى ذلك الوقت كله وهي تنتظر الافراج عنها. ولاشك أن التأخير له ما يبرره أحياناً اذا كانت هناك معاملات كثيرة تحتاج إلى دراسة وتمحيص، ولكن الملاحظ لدى البعض أن هناك تأخيرا يحدث لمجرد التأخير؟!

ومن مظاهر الاهتراء أيضاً ضعف التعاون في المجال العملي بين المسؤولين في دائرة واحدة مما يؤدي إلى غياب الإفادة من الخبرة المشتركة والعمل التعاوني.. ونتيجة لغياب هذا التعاون تبدأ أعراض الاهتراء في الظهور من خلال ضعف العمل والإنجاز والازدواجية والتكرار وقلة الفائدة وتواضع النتائج.. والمعروف أن فن الإدارة يقتضي التفاهم المباشر والتعاون المفتوح بين الإدارات ومسؤوليها بحيث يكون العمل في إطار واسع ومفيد.. كما أن التعاون المشترك يحقق فوائد كثيرة من أبرزها حسن النتائج وقلة التكاليف واختصار الزمن واستثمار خبرات متنوعة.. ورغم أهمية التعاون نجد ان البعض يعتقد أن اشراك زميله في موضوع يدخل في اختصاصه ونطاق مسؤوليته يعد ضعفاً أو إعلاناً صريحاً بعدم قدرة هذا المسؤول على معالجة الأمور التي تقع ضمن مسؤوليته.. وهذا النوع من التفكير السلبي ليس جزءاً من أي جانب من جوانب فن الإدارة وإنما هو نتاج آراء شخصية معقدة تكشف عن نفسيات مرتبكة تخشى الآخر وتحرص على ما قد يكون لدى الغير من فهم مغاير لما يعتقدونه.

ومن مظاهر الاهتراء الإداري ضعف أو انعدام روح المبادرة والابتكار لدى البعض.. فالأفكار الجديدة والرؤى الإبداعية تفتح آفاقاً جديدة من الإنجاز تتجاوز الأعمال الروتينية وتزيد من فاعلية العمل وحيويته.. لذا يمكن للواحد منا أن يفرق بين جهة إدارية تقوم فقط على إنجاز ما يرد إليها من عمل بشكل روتيني دائم وبين جهة إدارية أخرى تعمل على تجاوز ذلك بتنويع العمل وتجديده وتطويره بالابداع والابتكار.. والجمود الذي يسيطر على البعض هو مصدر أساسي من مصادر الاهتراء الإداري لأنه يجعل تلك الجهة الإدارية غير فاعلة على الإطلاق.. والذي يحرك ذلك الجمود ويلغيه ويستبدله بالإبداع والابتكار هو المسؤول الأول ومدى إخلاصه في العمل وجده في حسن الأداء وقدرته على تهيئة البيئة الإدارية المناسبة لذلك.

ومظهر آخر من مظاهر الاهتراء الإداري غياب الحوافز والتشجيع للعمل الجاد والإبداع.. فالتشجيع أساس مهم من أسس الارتقاء بأي عمل إداري ينشد الفاعلية وحسن الأداء والإحباط يقود إلى الاهتراء لأنه يجمع بين العامل المجد الذي لم يقدر جده والعامل الكسول المقصر الذي لم يعالج قصوره.

وبالنظر إلى مجموعة الملامح المشار إليها والتي تهتم في حدوث الاهتراء نجد أنها مترابطة ومشتركة من حيث الأثر والنتيجة والمحيط.. فالإخلاص في العمل أمر مرتبط بالدين والتهاون فيه هو تهاون في الدين، كما أنه مرتبط بالوطن الذي يجمع الجميع وإهماله هو إهمال للوطن.

كما أن غياب الإبداع وضعف الحوافز وقلة التعاون والتركيز على القشور والمصالح الشخصية هي عوامل تغذي الاهتراء وتقويه، بينما يبدو أن معالجتها ليس أمراً صعباً إذا قرر الموظف التغيير إلى ما هو أفضل لارضاء ربه عز وجل ثم إبراء ذمته تجاه هذا العمل وتلك المسؤولية التي يتحملها ذلك الموظف.

وأخيراً لن يكون هناك علاج للاهتراء الإداري إلا إذا التفت كل منا إلى نفسه وبدأ في إصلاحها إصلاحاً ذاتياً بشكل إيجابي.. لذا علينا الاهتمام بمفاهيم العمل والتركيز على الإخلاص والعمل الجاد والإبداع لأن في نجاحنا في العمل انعكاسا واضحا لمجتمعنا وأسرتنا وأخيراً وطننا الذي نحبه جميعاً وينتظر منا المحبة الحقيقية المتمثلة في أداء العمل بكل مسؤولية دون تقاعس أو التفات إلى أمور شخصية.

والله الموفق،،


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية