تسابق المحللون الإعلاميون والسياسيون إلى استقراء الوضع الأمريكي بعد الانتخابات وظهرت توقعات عديدة تحاول الربط بين سياسة أمريكا والرئيس الجديد أو المجدد له وكأن السياسة الخارجية الأمريكية فلك يدور وحده دون مؤسسات أو توجهات واستراتيجيات. بينما الحقيقة هي أن السياسة الخارجية الأمريكية تدور في إطار المصالح والمبادئ التي تحددها الولايات المتحدة مع الاختلاف اليسير في طريقة التنفيذ.
وبما أن الانتخابات الأمريكية أعلنت عن انقسامها تجاه هذه السياسة ما بين مؤيد لقناعة الحرب ومعارض لعدم مصداقية المنطلقات التي تسير عليها تلك السياسة، فإن الحاجة ماسة إلى محاولة التعرف على مرحلة ما بعد الانتخابات من منظور نتائج ما سبق من سياسات وأحداث.
لقد تبين خلال الأربع سنوات الماضية عدم مناسبة إهمال القضية الفلسطينية باعتبارها مفصلاً مهماً في المواقف الشعبية العربية والإسلامية. وكما أكد ذلك رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في حديث عن القضية الفلسطينية وأن عدم إيجاد حل عادل لها أدى إلى حدوث عدم الاستقرار في العالم. والدليل على هذه الأهمية تلك الرحلة العاجلة التي قام بها بلير إلى واشنطن حاملاً معه الموقف البريطاني تجاه أهمية حل القضية الفلسطينية. ولكن تعود الغرابة عندما تجد أن الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني يدوران في تصريحاتهما حول المشكلة مبتعدين عن جوهرها ويرددان الموقف الإسرائيلي. لقد أكدت المظاهر الرسمية العربية والشعبية الفلسطينية في تشييع ياسر عرفات أن القضية الفلسطينية لا تزال وستظل في أعماق الجميع في هذه المنطقة ولا مناص من إيجاد حل عادل لها.
ومن القضايا المهمة التي ينبغي مراجعتها بالنسبة لأمريكا من منظور الأربع سنوات الماضية ما يسمى بالحرب على الإرهاب وتحطيم المبادئ والقوانين طالما أنها في مواجهة المصالح الأمريكية، بينما تشتد المطالبة بها ومحاسبة المخالفة لها إذا كانت دولاً أخرى تقوم بذلك ومعاقبتها تصب في مصلحة الولايات المتحدة؟! ويتصل بهذه الحرب مفاهيم جديدة مغايرة لما هو متفق عليه في القوانين الدولية وخاصة مسألة التدخل العسكري بناء على معطيات معينة غير دقيقة ولا تتواءم مع النتائج الكارثية التي تحدث غالباً في مثل هذه السياسات. وما قصة الأسلحة النووية ومبررات الحرب على العراق إلا دليل واضح على فشل هذه السياسات والقرارات التي نسفت كثيراً من الانجازات والمواقف والمحافظة على الإنسان والمبادئ وغير ذلك.
فيا ترى هل تعود أمريكا من جديد إلى ثوبها السابق؟ أو هل من الممكن أن يصبح لدى العالم أمريكا جديدة؟ عندما نعود إلى الماضي قليلاً ونحن في هذه الأيام نطالع الاحتفالات التي تعم أوروبا بمناسبة ذكرى الحربين العالميتين، فإننا سوف نجد أن أمريكا سبق أن اتخذت سياسة العزلة والانطواء على نفسها في أعقاب الحرب العالمية الأولى مما أضر بها وبمصالحها. ثم عادت بعد ذلك إلى الانفتاح والتعاون بالاشتراك مع البنية الدولية وأصبحت فاعلة في كثير من الأحداث. واليوم نجد أن الولايات المتحدة أخذت خطاً متطرفاً على النقيض من تلك العزلة إلى خط التدخل في شؤون الآخرين وتغيير الأنظمة عسكرياً وسياسياً. وكان الأحرى بصناع القرار في أمريكا أن يستفيدوا من دروس التطرف الماضي وعدم تكرار التطرف الذي حدث اليوم في سياساتها الخارجية تجاه الدول الأخرى.
وبما أن الولايات المتحدة استطاعت العودة إلى الوسط وترك العزلة في تلك الفترة فإنه ليس من المستبعد أن تتخلى عن سياسات التدخل في شؤون الآخرين وتعود إلى الوسط مرة أخرى لتكون فاعلة وعادلة قدر الامكان.
وينبغي التنويه هنا إلى أن التغير في السياسة الأمريكية ممكن جداً وله سوابق كثيرة مما يشير إلى أن هناك عدم استمرارية تجاه من أخذوا بتلك السياسة ووقفوا معها ضد أوطانهم. وفي هذا درس أيضاً إلى أبناء البلدان العربية والإسلامية أن تقف مع بلادها وأن لا تنساق وراء مبادئ مغرية لا تطبقها الولايات المتحدة عندما تقف أمام مصالحها مما يجعلها مبادئ سياسية متغيرة وغير ثابتة، بل وغير صادقة في كثير من الأحيان.
ولا شك أنه في مصلحة الولايات المتحدة والعالم بأن تشترك بكل تفاعل مع الدول في إحراز تقدم نحو الإصلاح والتطوير دون استخدام السلاح ودون التدخل في شؤون تلك الدول الخاصة ومجتمعاتها. فبهذه السياسة الجديدة لأمريكا كأن الولايات المتحدة تعيد استخدام نهج الاتحاد السوفياتي ونظامها الشيوعي الذي حاربته وانتصرت عليه!!
البنية الدولية قادرة على حل المشكلات إذا أخلصت الدول القوية مثل أمريكا وأوروبا وتخلت عن النظرة الأحادية المبنية على مؤثرات صهيونية تخدم جوانب وتهدم جوانب أخرى. والبنية الدولية قادرة أيضاً على استيعاب الاستراتيجيات الجديدة لبناء عالم حرّ ومتطور مع الاحتفاظ بمبادئه وأنظمته الاجتماعية والسياسية.
لذا فإنه من مصلحة الجميع أن تعود أمريكا إلى ذلك الوسط غير المتطرف وأن تطبق المبادئ على الجميع دون استثناء حتى يعم السلام والاستقرار. إن دروس السنوات الأربع الماضية كفيلة بأن تعيد أمريكا إلى ثوبها الجديد وعلى العالم أن يتوجه إلى صياغة استراتيجياته مع مواصلة التطوير والتحسين حتى يتواءم مع بعضه البعض دون الاخلال بمبادئ دولة أو مجتمع.
واللــه المــوفق.