الإشكالية الأولى، والمحورية، التي تدور حولها معظم الإشكاليات - ومن ثم معظم الأطروحات - في عالمنا الإسلامي اليوم، هي إشكالية النهضة التي كانت - ولا تزال - حلماً. وكل معني بهذا العالم الإسلامي الكبير، وكل مهموم بهمومه، سيحاول تلمس أبعاد الأزمة التي تأخذ بخناقه، وسيحاول طرح رؤيته للخروج من هذا التيه الذي طال أمده، وسيزعم لفكرته - بوسائل شتى - أنها طريق الخلاص.
ولاشك أن الرؤية التي يراد لها أن تتسم في حل تأزمات معقدة - بصرف النظر عن قيمتها المعرفية، وحظها من النجاح والفشل - لابد أن تكون صادرة عن متابعة شاملة، لأهم الإشكاليات التي تواجه العالمين: العربي والإسلامي، وعن رصد دقيق للظواهر الكبرى في تجلياتها المختلفة، وبذل غاية الجهد؛ للكشف عن طبيعة الوعي الذي يفرزها. مما يكفل لهذه الرؤية الحد الأدنى من الشمولية التي لا قيمة لها بدونها.
لكن، في الوقت نفسه، هذه المتابعة، وهذا الاهتمام، لابد أن يضعا صاحبهما بين اليأس والأمل؛ لما يكشفان عنه من مظاهر فاعلة في السلب والإيجاب، مظاهر لم يكن ليتم الوعي بها لولاهما. وهذه المظاهر، بعضها يدعو إلى التفاؤل، ويعد بمستقبل مغاير، تتجاوز فيه الأمة عصور انحطاطها، وتدخل في عصرها الحاضر، مشاركة في مسيرة التقدم الإنساني. وبعضها يدعو إلى اليأس والقنوط، ويقدم دلائل على أن الانحطاط قدر هذه الأمة، وأن تخلفها ناتج عن طبيعتها التي لا تنفك عنها بحال.
ولاشك أن الإنسان المتابع لكل هذا، يتمزق أسى، وتخترق الحيرة أعماق فؤاده، وهو يرى بعضاً من هذه المظاهر الدالة، مما لا يستطيع تجاهلها؛ لأنها أعظم أثراً من أن تجهل، ولا أن يغالط نفسه في قراءتها؛ لأنها أوضح من أن تنفتح على التأويل.
ولهذا، لم يكن الاستفتاء الذي طرحته قناة الجزيرة، على محاكمة صدام، وصوت فيه ما يناهز الثمانين بالمائة لصالح صدام، برفضهم لمحاكمته، ومؤزارتهم! له في محنته التي وضعته فيها قوى التحالف الدولي، حدثاً يمكن تجاهله، أو تفسيره بالقفز على دلالته الواضحة، لم يكن هذا الاستفتاء حدثا عابرا، ولا ينبغي أن يكون كذلك، وإنما هو مؤشر هام وخطير، يرصد طبيعة الوعي العربي، ويكشف عن رؤيته لماضيه وحاضره ومستقبله.
إن نتائج الاستفتاء - بصرف النظر عن دقته، وتحقق شروط الاستفتاء فيه، فهو في المحصلة، يعكس واقعا شعوريا موجودا ولو بدرجة ما - تؤكد أن الوعي العربي لازال يعيش أزمته الحضارية في أعمق صورها، لازال هذا الوعي لم يتبلور الإنسان فيه كقيمة عليا، تعلو على كل القيم، وتخترق الأعراف والتقاليد كافة، بوصفها الشرط الأولي لقيام حضارة إنسانية في العالم الإسلامي. وهذا يعني أن المسافة بين واقع الوعي، وإمكانية النهوض الحضاري، مسافة هائلة، يصعب - إن لم يكن مستحيلا - اجتيازها، ولاشك أن هذا مصدر إحباط ويأس.
إن حقيقة صدام - الحقيقة التي لا يمكن أن تغيب، فضلا عن أن تغيب - أنه ليس مجرما فحسب، ولا مجرد قائد عصابة من ممتهني القتل في صورة حاكم دكتاتوري، وإنما كان - مع هذا كله - شخصية تجسد فيها العداء المسعور لكل ما هو إنساني. بمعنى أنه شخصية يصعب أن تجد - على امتداد سنوات حكمه، وكثرة أحداثها - في أي من جوانبها ملمحاً إنسانياً، بل لم يصدر عنها أية ممارسة إنسانية، حتى لأقرب المقربين منها.
إن تاريخه الزاخر بكل ما هو لا إنساني، مما يعلمه الجميع، يجعل التعاطف معه على أية صورة، خيانة للإنسانية جمعاء، خيانة لكل معنى إنساني يحمله الإنسان السوي بين جنبيه. إن هذا التعاطف جريمة، جريمة لا تقل عن المشاركة الفعلية في كل تلك الجرائم، وفي كل تلك الحروب، وكل تلك المقابر الجماعية، والقرى المبادة بالأسلحة الكيماوية.
إن فرق المحامين العروبيين، تلك الفرق التي تريد أن تشد رحالها إلى العراق للدفاع عن (حجاج) العراق الثاني، وتلك الأصوات الفضائية التي تتباكى على عهده المجيد!، لم تكن بدعا في الثقافة العربية، ولم تنبعث من فراغ وجداني؛ على الرغم من أنها كانت صدمة لنا؛ لأننا ظننا أن شيئاً من الوعي قد تحقق، بحيث لا يمتهن الإنسان في قضية هي في جوهرها، قضية الإنسان.
ولكن الظاهر - كما تؤكده شواهد الحال - أن الوعي لم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، هذا إن لم يتراجع، بفضل الزعامات القومية التي رفعت شعارات الوحدة والتحرير (قميص عثمان)، فكانت قميص مظلوم بيد ظالم سحق الإنسان على يديه. ولم يكن هذا غريبا على الوجدان العربي، بل لقد كان الإنسان في مسيرة التاريخ العربي هو الأكثر غياباً من أي شيء آخر. ونحن إذ قرأناه وكتبناه فإنما قرأناه وكتبناه بثقافة تشكلت في تلك العصور التي كانت الإنسان فيها غائباً. لقد كان الشعراء يتغنون بالحجاج الأول وخليفته المرواني في الماضي، وجهلة المؤرخين تدافع عنه في الحاضر على استحياء، وإن كانت لا تستحي من الدفاع عن ذلك الزمن الأموي الذي لم يكن الحجاج إلا سيئة من سيئاته التي أجهضت الإسلام في مراحله الأولى.
واليوم، لازال العروبيون والإسلامويون ينفعلون - وجدانيا - بالشعارات والعنجهيات والعنتريات التي لم تستطع أن تصنع أي إنجاز على أرض الواقع، وإن صنعت البؤس والشقاء. ينفعل العروبي بذلك، بينما لا يتفاعل مع الوقائع التي تحكمه، ويتحدد مصيره من خلالها. إنه لازال يمارس تهويماته التي تأخذه بعيدا عن الإنسان - كقضية يجب أن تكون محورية في مواقفه كلها - إلى قضايا لا حقيقة لها، يطفح بها خياله الزاخر بالحماسيات التي صنعتها التراكمية التاريخية، إبان استعاضتها عن الانحطاط بالتحليق في عوالم الأحلام ودنيا الخيال.
إن القضايا التي تستأثر بهم واهتمام العروبي والإسلاموي قضايا خارج الواقع، بل وخارج التاريخ، بل ربما كانت خارج الإمكان. إنها قضايا بلا واقع يعضدها، قضايا خلقها وجدان مأزوم، زوَّر تاريخه، ويزوِّر واقعه، ويريد تزوير مستقبله، بعد أن عجز عن الحقائق في كل ذلك.
ولهذا، حينما يدافع العروبي عن صدام، ووعوده النهضوية الكاذبة، فإنما يدافع عن حلم لم - ولن - يتحقق. إنه يريد أن يقول لنفسه: لولا أن الغرب قضى على المتعهد بنهضتي لنهضت، ولحققت وحققت. كما أن الإسلاموي يرى أن النهضة الإسلامية أجهز الغرب عليها، عندما أجهزوا على طالبان (دولة الخلافة وأمير المؤمنين!!!)، وأنه لو تممت طلبنة العالم الإسلامي لأصبحنا الدولة الأولى في العالم، بل لايزال بعضهم تتراءى له النهضة في مغارات (تورا بورا)، وينتظر فتح العالم على يدي قاطنيها.
إن هذا الوعي الذي يبكي على صدام لمجرد أنه قدم له حلما قوميا، بينما سحقه بمستويات متعددة على أرض الواقع، وعي يستحق الرثاء. إنه وعي مشلول، وعي غائب عن الوجود، وعي لديه يقين راسخ بالأحلام، وتكذيب بما جرى على أرض الواقع، ولو جئته بكل آية وبكل شاهد.
ومن العجب العجاب، أن يرى العروبي أنه يوجد مساحة - منطقية - للدفاع عن صدام بينما لم توجد مثل هذه المساحة لغيره من رموز الدكتاتورية لا في الماضي ولا في الحاضر. بل لو افترضنا - مجرد افتراض - وجودها لغيره فإنها - بالنسبة إليه - لا يمكن أن توجد لسببين:
الأول: صدام ليس مجرد مجرم، مرتكب لجرائم ضد الإنسانية فحسب، وإنما هو مجرم معلن بجرائمه، مفختر بها، إنه لم يحاول أن يظهر بريئاً من صفة التوحش، فقد كانت الجريمة جزءاً من شخصيته التي كان يسعى لترويجها، وإن كان يؤطرها حسب ما تقتضيه المعركة التي يخوضها، فيظهر بعض جوانبها بمقاييس محددة. لكنه في النهاية لا ينكر الوحشية التي اتصف بها.
الثاني: مع ديكتاتورته وقمعيته التي بلغت الغاية، فإنه حاكم بلا إنجاز. وليس معنى ذلك أن الإنجاز الذي يتحقق على يد طاغية يغفر له إبادته القرى بسكانها، وقتل الأسرى، و.. إلخ، وإنما المراد أن المدافع عن المجرم، ولو كانت جريمته ظاهرة للعيان، فلابد أن يحاول البحث له في سائر أعماله عما يشفع له، وصدام لم يقدم - على امتداد فترة حكمه - أي إنجاز يمكن لمن يدافع عنه أن يتعلل به ولو زوراً، إلا إذا كانت الوعود القومية التي لم تتحقق يمكن أن تعد منجزاً يستحق الإشادة!.
وبهذا، يتبين لنا حجم المأساة التي يعكسها هذا التعاطف، وبه تظهر لنا القيمة الحقيقة للإنسان في الوجدان العربي، الذي هان على نفسه، فهان على يد لك أحد. ولا شك أنه إذا كان موقف الإنسان العربي من صدام على النحو الذي كشف عنه الاستفتاء، أى إن كان أكثر من ثلاثة أرباع العرب هواهم مع صدام، راضين عن أفعاله، فإن معنى هذا أننا أمة تستحق الفناء بجدارة.
يتضح مما سبق أن تاريخنا - بوقائعه، وبجدليته الفكرية مع هذه الوقائع، وبالتراكم الثقافي الناتج عن ذلك - تاريخ لا يساعد على الانبعاث التنويري، بل هو تاريخ يقف ضد ...
1
اخي محمد لازلت تعرينا امام انفسنا حتى حنقنا عليك ليس لانك تجنيت علينا ولكنها الحقيقه المره التي مافتئنا ننكرها اونتجاهلها اوندس رؤسنا في التراب كالنعامه كي لانراها
انت متهم بالصدق فاما ان تتوب وترجع عن عقلك وتكتب مانريد ان نسمع او سننفث عليك سممونا من اتهام بالعماله او مايتبعها من هراء احترفناه واقترفناه بحق من سبقوك من ازلام الصدق وزبانية الصراحه
سر على بركةالله ولاتنظر خلفك فقد انتظرناك طويلا ومااحوجنا اليك والى طرحك المؤلم ولكنه مهم مثل الدواء المر اما ان تتناوله او تصبر على اوجاعك
01:28 مساءً 2004/07/15
2
كدنا نفقد الامل في مثقفينا في توصيف الشخصية الصدامية وقومييها، كل الشكر والتقديرلكم على امل مواصلة هذا النهج من التحليل لمقابلة هذا الكم الهائل من الزبد.
01:55 مساءً 2004/07/16
سجل معنا بالضغط هنا