• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 15483 أيام

حروف وافكار

صناعة الموت أم صناعة الحياة!

أحمد بن محمد العيسى

    كلما تأملت في صور المطلوبين في القضايا الإرهابية الأخيرة التي تنشرها بعض الصحف يومياً، تحسرت على هذا الشباب الغض الذين اختطفتهم قوى التطرف في غفلة من الزمن من بين أهليهم وأحبتهم فأحالتهم إلى صناع للموت بدلاً أن يكونوا صناعا للحياة. كان بإمكان هؤلاء الشباب أن يتعلموا في المعاهد أو الكليات أو الجامعات فيتخرجوا املين في المستقبل بحياة مستقرة واعدة يعمل بأفضل ما لديه من طاقات في سبيل البناء ونفع الآخرين.. وكان بإمكانهم أن يعيشوا حياة أسرية مستقرة فيبعثوا فيمن حولهم الحياة والسعادة والكفاح الجميل.. وكان بإمكانهم السفر والاطلاع فيستزيدوا معرفة وعمقاً بواقع الدنيا وظروف التنافس الشريف وبجماليات الحياة ورقيها وبشروط العزة والتمكين التي يبحثون عنها.. وكان بإمكان هؤلاء الشباب أن يصبحوا دعاة حقيقيين يعملون على هداية الناس وترغيبهم في الدين والتمسك بالأخلاق الفاضلة والتعامل اللطيف الوقور مع كبيرهم وصغيرهم.. باختصار كان بإمكانهم أن يكونوا من صنّاع الحياة بدلاً أن يكونوا من صنّاع الموت..

لا اعرف حقيقة كيف تسربت أفكار الإرهاب والتطرف والتفجير إلى حقول الدعوة وتجمعات الشباب التي يفترض ان تكون أبعد عن التأثر بنظريات الإرهاب والاغتيال والتفجير والقتل العشوائي لأنها تستند الى قيم الإسلام ومبادئه التي تدعو الى صناعة الحياة أكثر من أي دين آخر.. لقد عظم الإسلام حياة الإنسان وأقر بحقوق للمسلم وغير المسلم وحرم الاعتداء عليه، بل وحرم اعتداء الإنسان على نفسه بالانتحار أو التعرض للتهلكة.. لقد جاءت الدعوة النبوية في مجتمع جاهلي من حيث ارتباطه بالله ومن حيث العصبية وحصول الاقتتال بين القبائل لأتفه الأسباب.. ولكن ذلك المجتمع كان يعج من جانب آخر بقيم وأخلاق فاضلة مثل الشجاعة والمروءة والكرم والسماحة وحتى ثقافة القتال كانت لها قيم وحدود تلتزم بها القبائل، فجاء الإسلام فحارب العصبية الجاهلية البغيضة ودعا إلى التمسك بالأخلاق الفاضلة فكانت رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي بثها بين الناس بأنه جاء (ليتمم مكارم الأخلاق).

لقد جبل الله النفس البشرية على حب الحياة الكريمة المستقرة والتمسك بها والعمل على بناء المجتمع الآمن المتماسك المتعاون.. ودعا الإسلام إلى تطبيق الحدود لحماية المجتمع من الفساد والانحلال والفتن والبغضاء والعدوان والظلم وسفك الدم الحرام. كما دعا إلى الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ودعا الى التعاون لرد المعتدين سواء من داخل المجتمع المسلم أم من ديانات وأمم أخرى، وكل هذه القيم هي من دوافع صناعة الحياة ومن دوافع الرقي بالمجتمعات الإنسانية، فكيف تحول الإسلام عند البعض إلى مجرد مجموعة من أفكار القتال والمواجهة التي تتكئ على بعض النصوص الصحيحة ولكنها تخرجها من سياقها وتضعها في سياق آخر مدمر ومهلك للحرث والنسل؟

لماذا أصبح الهم الأول لبعض الدعاة هو شحن نفوس الشباب الغض في اتجاه واحد فقط وهو محاربة الغرب "الصليبي" الذي يعمل - وفق تصوراتهم الضيقة - ليلاً ونهاراً على محاربة الإسلام والكيد لأهله والسعي لإخراجهم من دينهم والقضاء على من يتمسك بدينه منهم؟ كيف طغى هذا المفهوم - الذي لا يمكن أن يكون صحيحاً مائة بالمائة، ولا خاطئاً مائة بالمائة - على غيره من الهموم والمفاهيم والأفكار والتصورات التي يمكن أن تربي في الشباب مقومات صناعة الحياة وجعلهم قادرين على القيام بدورهم الإيجابي والمتفاعل مع مصالح المسلمين ومصالح أوطانهم وشعوبهم العليا؟ كيف تحول الشباب الغض الى منظرين في السياسة الدولية ومقيمين للتوجهات العالمية وقادرين على الحديث في القضايا المعقدة لمجرد سماع خبر هنا أو إشاعة هناك؟ لماذا فقد بعض الشباب الطرح العقلاني والتحليل المنطقي حتى أصبح كلام من يعتبره بالأمس من الصفوة ومن الثقاة.. أصبح اليوم مهادناً وله مصالح شخصية دنيوية وخرج بذلك من دائرة المخلصين للأمة؟

إن ما نشاهده اليوم من نزوع بعض الشباب إلى التطرف والإرهاب هو نتيجة سنوات وسنوات من الشحن النفسي والإعداد الفكري للسير في اتجاه المصادمة وتغيير واقع المسلمين المزري حتى لو كان بالانتحار.. ويخطئ من يظن أن هذا التطرف والإرهاب الأعمى هو شذوذ في الفكر الإسلامي المعاصر وطارئ على الحركات الإسلامية.. إن هذا التطرف جاء نتيجة حتمية لغياب العقلانية في فكر الصحوة الإسلامية وطغيان ثقافة المواجهة مع الآخر أياً كان الآخر مسلماً أو غير مسلم. هذا التطرف هو نتاج لثقافة صناعة الموت وتمجيد الانتحار وتعظيم المواجهة مهما كانت نتائجها حتى لو أدت الى مزيد من التأخر والانقسام والتشرذم وهيمنة الغرب.

هذا التطرف هو نتاج غياب النقد وغياب المراجعة وغياب مناهج صناعة الحياة في ملتقيات الشباب ونشاطاتهم.. ولو كان هناك منهج حقيقي للمراجعة والنقد لاستفاد منظرو الإرهاب من نتيجة المواجهة العبثية التي تجري هنا وهناك ولأعادوا حساب المكاسب والخسائر من تلك العمليات الانتحارية.. ولاستفادوا من نتيجة الاصطدام الذي حصل في الجزائر ومصر وغيرها من البلاد الإسلامية، ولما انساقوا وراء الوهم بأن ما حصل في تلك البلاد لم يكن سوى مؤامرة كبرى بين الأنظمة العربية والغرب لوأد الصحوة الإسلامية.

إن هذا التطرف هو نتاج لثقافة صناعة الموت التي يكرس من أجلها معظم أوقات الشباب في الأمسيات ونشاطات الدعوة، فالشعر الذي يسمعه الشباب في بعض الملتقيات هو شعر الجهاد والاصطدام ومآسي المسلمين.. والرسم التشكيلي - إن وجد - فهو رسومات لحقول الألغام وقصف الطائرات ومشاهد البائسين.. والمسرحيات التي يؤديها الشباب هي مسرحيات تصور مكائد اليهود والنصارى ومشاهد رسم المؤامرات خلف الكواليس لتدمير المسلمين..

أما معظم الدروس الشرعية فهي تفتقد للتوازن والطرح العقلاني الرشيد في تفسير الأحداث التاريخية أو المعاصرة، وتقتبس ما يؤيد قناعات وأحكام مسبقة من مقولات العلماء والمفسرين وتتجاهل ما يعارضها مهما كان صاحبها. فتحريم بعض العلماء للعمليات الانتحارية في فلسطين وغيرها كانت مجرد زلة عالم، ودعوة بعض العلماء للشباب الجزائري بعدم رفع السلاح في وجه السلطة كانت دعوة من علماء لا يفقهون الواقع كما يزعم بعضهم.. واستنكار بعض العلماء لاعتداءات نيويورك وواشنطن كانت مجرد خدعة سياسية.. أما بيانات هيئة كبار العلماء حول تحريم الخروج على الولاة فيتم تأويلها بسرعة بأنها جاءت نتيجة ضغوط سياسية وبذلك أصبحت لا قيمة لها..

كنت استمع قبل أيام قليلة لحديث في إذاعتنا السعودية في الصباح الباكر والشباب يغادرون الى مدارسهم وإذا بالخطاب نفس الخطاب لا يرى في الشباب إلا أنهم وقود للمواجهة مع أعداء الإسلام، ويدعو إلى شحذ الهمم وتعبئة الصفوف.. هكذا دون هدف محدد ودون تبصير بالواقع.. وعندما نقلت المؤشر الى اذاعة خليجية أخرى وجدت حديثاً إسلامياً مختلفاً يدعو الى بناء المجتمع والتعاون بين أفراده للرقي بالعمل والإنتاج ومحاربة الغش في المعاملات وظلم الآخرين.. إنه فكر يتغلغل في كثير من مناشط الدعوة دون تبصر بمآل ما يطرح من أفكار أو نتائج ما يبث من شعارات..

إن صناعة الحياة تتطلب منهجاً وسطاً وتربية متوازنة وتنوعا في الوسائل فمع جرعات تربوية إيمانية ودروس شرعية في العقيدة والأحكام ودروس في التاريخ الإسلامي تأتي ثقافة أخرى تعزز قدرة الإنسان على الرقي الحضاري والتحليل والمناقشة الهادئة والطرح المتوازن والنظرة العميقة للأحداث والقضايا من خلال دروس في الثقافة والأدب والفكر الإنساني والفلسفة والفنون الجميلة واطلاع على حضارات الشعوب وثقافاتها.. وبذلك تتكامل شخصية الإنسان وتتنوع ثقافته ويرتقي تفكيره ويستطيع أن يكون من صناع الحياة بدلا من السقوط في مستنقع صناعة الموت.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية


حروف وأفكار

أحمد محمد العيسى

الخيارات