أمهر السماسرة هم باعة الوهم السياسي، وحتى ميكافيللي أستاذ الغاية تبرر الوسيلة، أصبحت مدرسته قديمة لكنها متطورة بأعاجيب التسويق الجديد، والوسائل الإعلامية التي تساعد على خلق بضائع بألوان مختلفة.
الشيوعيون استطاعوا، ولسنوات طويلة، أن يسموّا دولهم وأحزابهم ومن ينتمون إليهما، بالدول ذات المناهج الديموقراطية، لكنها ديموقراطية موضوعة بمواصفات أن طبقات البروليتاريا الدنيا التي تمثلها تلك الحكومات هي أصدق القوى الوطنية، وقد كانت تلك الشعوب ظلا لأكبر كذبة ايديولوجية قام على سلطاتها أسوأ العناصر وأفسدها، بدليل أن التمرد بدأ من الجمهوريات السوفياتية التي قام ستالين إما بإعدام قياداتها ورموزها، أو إقصائهم عن مدنهم وأراضيهم، ثم كان التمرد الأكثر قوة من دول أوروبا الشرقية والذي قمع بالدبابات وحمامات الدم.
أمريكا أعجبتها اللعبة لكن بإطار إمكانات لم يملكها السوفيات، حين تُقدم نفسها أنها حارس الحرية ومعمم الديموقراطية، وصاحبة المثُل العليا التي يجب أن يقتفيها العالم، وهذه النظرة حاولت فرضها بالقوة، تعاونها أساليب دعائية غير مسبوقة، لكن يبدو أن ما نجح مع السوفيات والمعسكر الشرقي غير صالح لبيئة أمريكية لاتينية، ولا شرق أوسطية، بدليل أن القناعات التي جعلت تحالفاً معها يقود معركة احتلال العراق، صارت الدول تفكر بالمخرج السهل، وكانت أسبانيا أولى طلائع التمرد الجديد حين أعلنت انسحاب قواتها لتنضم إلى رؤية دول أوروبا القديمة، وهي الشابة المعاصرة التي ترى فيها امريكا شجرة من مشتلها الكبير والذي جعل سلوكها وفكرها أكثر تطوراً من الفكر الألماني - الفرنسي الكلاسيكي الذي لا يتماشى مع عصر عولمة الحرب التي تحسمها القوة.
دعونا نعد إلى عقدة المنطقة بين تقصيرها، وتخلفها، وبؤس أوضاعها، وهي أمور محسومة عند الرأي العام العربي، وبين تصرف أمريكا وإسرائيل، باتخاذهما لعبة بوكر على طاولة مخمورين.
شارون تلاحقه لعنة لبنان حيث ذُبح خيرة عملاء استخباراته في عمارة من أربعة أدوار، ولحقها كمين قرية لبنانية شهدت إنزالاً للجيش الأسرائيلي تم حصدهم وتوزيع صور أشلائهم على مختلف وسائل الإعلام، وكان الانسحاب ودخول بيغن حالة الكآبة يأتي بالتعويض عن ذلك بجريمة صبرا وشاتيلا وهذا الفعل يعيدنا الى نفس المعادلة بالفلوجة وبقية المدن العراقية، والتي أصبحت السيطرة عليها مغامرة خطيرة، مما أجبر العسكريين الأمريكيين تحت حالتهم النفسية التي تغمرها مفاجأة الموت أن يتصرفوا بما يشبه حراس السجون.. وسلوك دولة عظمى بهذا الحجم تريد أن تقتل بإرادة وتباشير تعميم الديمقراطية، هي نفس الأفكار التي عاشتها دول العالم مع رحلة اليسار الشيوعي.
الشيء المطلوب أن يقول الأمريكان إنهم يريدون تنفيذ مشروعهم تحت غطاء يسوق سياستهم، لكن الشعوب استطاعت أن ترقى بتفكيرها ووعيها، وبأن من يتبع خط شارون ليس مؤهلاً أن يتحدث عن الحقيقة الصادقة طالما التزييف هو المتحدث الرسمي في الواقع الأمريكي مع العرب.