وزير العمل .. والضربة الاستباقية!
بمهارة متوقعة حدد الدكتور غازي القصيبي وزير العمل أفكاره، وكشف عن مشروع خطة وزارته القادمة، وهو لا يزال على كرسي وزارته الثالثة.. يبحث عن مكتب يزاول فيه مهامه الجديدة!!
إن تصريحه الطويل إلى وكالة الأنباء السعودية، جاء بمثابة ضربة استباقية، لما يمكن أن تتداوله أقلام الكتّاب، وأعمدة الصحافة، من شكاوى واقتراحات تتعلق بلب مشاكلنا الاجتماعية!! ألا وهي البطالة الوطنية، والعمالة الوافدة.. فكان غازي صريحاً كعادته، وطنياً يتلمس هموم الناس كالعهد به.. وكذلك صارماً أمام ظواهر العبث بمرفق مهم، حيث تستشري ظاهرة المتاجرة بالتأشيرات؛ استشراءً فاقم من احتقانات اجتماعية عديدة، لا نستطيع عزل ما يجري في بلادنا اليوم من قضايا التطرف والإرهاب عنها.. بل هي في الصميم منه.. فأنى يتجه الشاب المتخرج من مؤسسات تعليمية، لا تبث في دمه روح الحياة والأمل والعمل.. قدرما تبث فيه روح الموت واليأس والاتكال، إضافة إلى ما يعانيه هذا الشاب من فراغ مضاعف.
مرة بسبب المناهج التعليمية التي ساهمت مخرجاتها النظرية في شيوع بطالة مقنعة، أصبح ينوء بها الباب الأول من الميزانية من رواتب لموظفي الدولة، غير المنتجين لساعات عمل كافية - حسب المعايير الدولية - بل إن معظمهم بحاجة إلى إعادة تأهيل، سواء تعلق الأمر بالإداريين الفاقدين لأسس الثقافة الإليكترونية.. أو المدرسين غير القادرين على التفاعل مع معطيات التربية الحديثة، من تطور في المناهج وحداثة في الوسائل، أما الشباب الجامعي المتخرج في أقسام العلوم والطب والهندسة وكليات المحاسبة والإدارة.. فإن مؤسسات القطاع الأهلي والبنوك، قد استوعبتهم، حتى أصبح معظمها يكاد يكون سعودياً، إلا فيما ندر من مؤسسات أخرى، تتطلب السعودي المؤهل، القادر على إدارة أعمالها برؤية جديدة، وتفانٍ في العمل.
ومرة أخرى.. فإن ازدياد نسبة النمو في بلادنا - وهي نسبة نمو مرتفعة عالمياً - يقابلها تقلص في المؤسسات التعليمية التدريبية.. وكذلك الجامعية العلمية.. واكتظاظ كليات الآداب بتخصصاتها النظرية المتنوعة، والشريعة بتفرعاتها المختلفة، وعدم استعداد مؤسسات القطاع الأهلي، استقبال طلبات عمل من خريجي الثانوية العامة، نظراً لافتقارهم للخبرة العملية والتدريب الفني..فاقم هذا وغيره من تسكعهم المتوتر في الشوارع إذا كانوا من البنين، وانتظارهم الكئيب في البيوت إذا كن من البنات.. حيث الفراغ القاتل.. والانتظار الصامت بلا أمل، هذا هو ما شجع جزءاً كبيراً من قوى المجتمع السعودي الجديد، على تفريغ شحنات غضبه على الدولة، بالتعاطف مع العناصر الإرهابية!! بل بالتحاق قلة قليلة منهم بهذا التيار الانتحاري المدمر للذات والمجتمع.
هنا يأتي دور وزارة العمل بضرورة قيامها بإحصاء هؤلاء الشباب العاطلين عن الدراسة أو العمل.. وتوفير برنامج من الفرص الطارئة، ولذلك أحسن الدكتور غازي القصيبي عملاً بفتح باب وزارته لكل طالب وظيفة.. وعلى الدولة عبر صندوق تنمية الموارد البشرية، توفيرها بأي كيفية.. وهي ممكنة في القطاع الحكومي أو الأهلي، حين يتم الاستغناء عن من يحتل مواقع العمل من الوافدين.. هذا لا يعني الانسياق وراء الدعوات العنصرية التي تصاغ بها أحياناً مطالب السعودة بالتخلص من خبراء الأشقاء والوافدين ومؤهلاتهم، وإحلال سعوديين كيفما كانوا محلهم!!.
على أي حال.. فإن أحد أهم مشكلات مجتمعنا الاقتصادية والأمنية والتعليمية، هو موضوع العمالة.. هذا الموضوع المركب الشائك.. حيث تتضافر جهات عديدة على إنتاجه وتفاقمه.. وكما لاحظتم.. فإن وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي. والكليات الفنية.. إضافة إلى وزارة الخدمة المدنية التي عليها توفير فرص العمل، وكذلك الجهة المصدرة للتأشيرات ومنحها!! كل هذه ينبغي عليها أن تساعد وزير العمل في تسهيل مهامه الوطنية الجديدة، ولن أنسى كما لم ينس وزير العمل دور القطاع الأهلي.. هذا الذي قام أساساً على أكتاف المشروعات الحكومية ومناقصاتها وتسهيلاتها وقروضها.. وعليه الآن أن يسدد بعض ديونه تجاه وطنه ومجتمعه، بتقاسم المسؤولية والدور مع الدولة.. ففي هذا وحده يكمن الأمل في ولادة مجتمع مدني قادر على إدارة المجتمع السعودي الجديد بمشكلاته المتجددة وقضاياه المتواصلة.. بوضع الحل المناسب للمشكلة الطارئة.. وبعد ذلك وضع الموظف المناسب في المكان المناسب.