يجب أن نخرج من نطاق التفكير بفرزنا التقليدي بمن نعطي صداقتنا وتحالفنا وبمن نحيّده، أو ننزع عنه صفة الصديق ليذهب بالاتجاه المغاير، مبدأ المصالح لا يتغير فأوروبا وأمريكا أصدقاء أعداء بحسب هبوب الرياح السياسية العكسية مع أن ارتباطنا بهما قائم لأكثر من قرن كامل، وحتى لا نقع في مصيدة التسلل، وفق التعريف الرياضي، علينا أن نضع في اعتبارنا أن كل بلد كبير أو صغير، هوبالنسبة لنا بلد مهمّ بحسب درجات ونسب المصالح التي تربطنا به..
فأوروبا هي الأقدم في العصر الحديث في روابطنا السيء منها والحسن، ولا نزال نراها قارة مهمة لنا في كل أحوالنا الاقتصادية والسياسية، وأمريكا لديها الرصيد الأكبر لتلاصقنا معها، وبصرف النظر عن التجاوزات السياسية فاقتصادياتنا العربية مرتبطة بها أكثر من أي دولة أخرى، وهذه العلاقة المتشابكة، والمصطدمة دائماً بحاجز إسرائيل بأن تعاملنا بقوانين العلاقات المميزة، لا يعني أننا نتبع السياسات القديمة التي تنقلنا من خلال انقلاب عسكري من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فالأحوال تغيرت وصارالعالم الذي ينزع إلى تجاوز القوميات والاثنيات إلى دور آخر لعبور الاقتصاد والمنتج الثقافي والعلمي، يضعنا على حد السكين مع العالم الخارجي..
نحن لا نزال نعيش مرحلة اللاتوازن أو الغفلة، حتى في علاقات لا تكلفنا أي شيء بمعرفة الآخرين ودورهم في حياتنا كلها، وهذا القصور لا يُعزى فقط للجانب السلبي من الطرف الآخر، بل لسوء تقديرنا وتقويمنا الذي ظل يتحرك في إطار ضيق ويقيم أفكاره ومنطلقاته على المصالح الآنية، عكس دولة مثل إسرائيل تخطط لعقود مع مختلف الدول..
وحتى لا نتجاوز ما نريد، علينا أن نلتفت شرقاً، ونضع قائمة بأولوياتنا مع الدول الآسيوية التي ستكون الثقل الاقتصادي والعلمي بعد ربع هذا القرن، وهي تنبؤات تأتي من ألد خصوم هذه القارة، أي من أوروبا وأمريكا اللتين تريان أن القرون القادمة ربما تحتكرها القارة الأعظم بالمساحة والسكان والإبداع والمثابرة عند شعوبها..
فاليابان بدأت بسلع رديئة مقلدة، وكانت ميدان هُزء العالم الغربي، لكنها قطعت الطريق بأعظم منجزاتها حتى استطاعت احتكار السوق الأوروبية والأمريكية بالكثير من سلعها لجودتها ورخصها، وهذا ما انطبق على الدول الأخرى، الصين، والهند وكوريا وتايوان، وماليزيا، وطالما الأنظار تتجه لدول القارة الآسيوية والتي نحن جزء من امتدادها الجغرافي والتاريخي فينبغي أن نصل إلى قناعة أن مستقبلنا مرتبط بهذه الحركة الجديدة الآسيوية بحيث نركز على الروابط التي تجمعنا مع تلك القوى القادمة ليس فقط بزيارات محدودة لمسؤولين، أو رجال أعمال وبعض السياح، بل بإعداد مشروع إقليمي، على مستوى دول الخليج مثلاً، وعربياً، إذا أمكن بواسطة الجامعة العربية، بحيث نفهم احتياجات كل منا والتباحث فيها بشكل موضوعي يرقى على سلفياتنا، بتأسيس قاعدة معلومات شاملة خاصة إذا علمنا أن هناك دورة فلكية جديدة بدأت ترسم معالم عالم آخر، وأن آسيا ستكون لاعباً أساسياً إن لم تكن رئاسياً، وهذا الحافز أو التحدي يضعنا أمام حقائق مختلفة أي أننا على مفترق طرق ما لم نصحح مسار سياستنا وعلاقاتنا وفق رؤية متحررة من التصنيف الأيدلوجي أو ترتيب الدول على قاعدة من الأهم والمهم، في حين يجب أن تتسع رؤيتنا إلى فتح كل النوافذ مع الغرب والشرق، وأمريكا الجنوبية، وأفريقيا حتى لا نقف فقط على قدم واحدة عاجزة عن حمل مسؤوليات شعوبنا وأجيالنا في هذا القرن الذي لا نعرف حتى الآن موقعنا فيه.