كان أول وعيي بأخبار أرامكو، جاء عبر صفحات "القافلة" الجريدة الاسبوعية المتداولة بين يدي عمال الشركة.. صغيرة بحجم التابلويد، لكنها على مستوى من الجدّ في صياغة الخبر "النفطي" وكذلك ما يتعلق بأخبار موظفيها، في حالة ابتعاثهم أو ترقيتهم، أو تكريمهم بعد سنوات مضنية من الخدمة الطويلة، بين جبل الظهران ورأس تنورة.. حيث مبنى الإدارة ومعامل التصفية.. ولا تنس مواقع الحقول النفطية هنا وهناك، على امتداد المنطقة الشرقية والربع الخالي.
بعض جيراننا من عمال الشركة، كانوا يقصون علينا من أنباء الحفر والمكتشفات، ما يستثير الخيال ملاحم، في الإقدام والتحمل والصبر على مكاره الحياة في البر والبحر.
هذه الصور وغيرها، تتنزل على مسامعنا المرهفة، وتتماوج بأنظارنا الغضة، وقد لوحت شمس الصحراء سحنات أولئك السعوديين، حتى أصبحت سواعدهم من حديد.. طالما تملينا عضلاتها الوطنية، فوق صفحات القافلة المجلة كذلك.. فنعجب كل العجب كيف تحول هؤلاء الفلاحون أو البحارة أو الرعاة إلى مهندسي بترول! ظلت أرامكو تستهدي بخبراتهم المتراكمة، حتى بعد إحالة بعضهم إلى التقاعد، وفي معاصمهم ساعات رولكس ذهبية أو فضية.. هدايا تكريم لسنوات الخدمة والبلاء والتعب!!
.. هذا ما كان قبل أن تبنى طوبة واحدة في كلية البترول والمعادن، وتتحول بعد إلى جامعة ذائعة الصيت..
لقد فعل برنامج تدريب السعوديين أفاعيله العجيبة قبل نصف قرن .. أهَّل البدو والفلاحين والبحارة، لممارسة أعقد المسائل الفنية في عمليات الحفر والاكتشاف، بروح هائلة من التفاني والإتقان والانضباط.. أين منه مشروع السعودة الذي نتنادى إليه -اليوم- .. دون جدوى على أرض الواقع الاجتماعي؟! حينذاك كانت تمخر بين شوارعنا القليلة وأزقتنا الترابية، سفن جديدة، انتقلت من سيرها في البحر إلى الرمال!! يقودها علي بن حبيب أو أبو جمال وعلى متنها استقر عمال الشركة، وقد فرغت أيديهم من أدوات الفلاحة أو الغوص أو صيد الأسماك، ليتوجهوا نحو اكتساب مهارات جديدة، دون توجس من خوض هذه التجربة العملية الجديدة.. بل ان موقع مجتمعهم المنفتح تاريخياً على التفاعل مع حضارات الشعوب، بعث فيهم حماساً متقداً للذهاب عاملين في الجبل.. هذا هو مسمى الظهران الشعبي قديماً.. أو الشركة ومن ثم أرامكو حديثاً.
.. إذ ذاك أدهشتنا رطانة القطيفي والحساوي.. فكيف تمكنا من اتقان اللغة الانكليزية بلهجتها الأمريكية!! بينما كان العهد بهما غارقين في لهجتهما المحلية، لا تتعدى مفرداتها المحلية أدوات الصيد والزرع والرعي.. كذلك الحال بالحائلي والمدني.. المكي والقصيمي.. العسيري والنجراني.. هؤلاء جميعاً ضمتهم التجربة الجديدة في أرامكو، فكادت - لا كما يحصل الآن! - تذيب مواريث ثقافتهم الاجتماعية الضيقة، في أتون ملحمة العمل والوعي بعالم متغير، والامتزاج بشخصية وطنية.
فتجربة أرامكو بدأت في تغيير بعض أنماط السلوك ومفاهيم المعرفة.
انظر إليهم.. هاهم يتناولون الوجبات الخفيفة في "الكافتيريا".. ياله من همبرجر يسيل لعاب أبي زيد، في مقامة الحريري الشهيرة لرائحة شوائه النفاذة.. ولا تنس التحلي بقطعة من كيك الفانيلا أو الشوكولاته.. إنهما تذوبان في الفم بلذة أسطورية.. أما البيبسي أو الكولا فهما مشروبان مدهشان حقاً.. منعشان إلى حد النشوة، خاصة إذا قيض لك أن تقضي ساعة من ترويح العصب المشدود، في صالة السينما المكشوفة أيام الصيف في سعودي كامب..
لم تكن هذه صدمة الحداثة الوحيدة في وعي عمال أرامكو وموظفيها، حيث فاجأ العالم الحديث في آخر موجاته الحضارية، غفوتنا التاريخية على وسادة الصمت وفضاء العزلة حتى وقت قريب.. فحركة الابتعاث التعليمي والتدريبي إلى الخارج.. كانت الصدمة الأبلغ، وقد تدرج أولئك البدو والبحارة والفلاحون في مراقي التجارب الوظيفية، من عمال "كوليه" في سعودي كامب.. مروراً بالخبرة الضرورية والحياة الرغيدة في "سنير ستاف".. وانتهاء بتبوؤ سعوديين من لحم ودم، مواقع قيادية في هذه الشركة العملاقة.
هذا وغيره كنت وغيري من المخضرمين نتابع ولادته ونموه، تعسره وانطلاقته، على صفحات ذلك التاريخ القريب، في القافلة السائرة دائماً نحو غد أجمل.. متطلعين إلى ما هو أجمل منه، وقد أصبح الدكتور غازي القصيبي صاحب الأوليات الوزارية .. على رأس وزارة جديدة اسمها وزارة العمل، وهاهي البطالة الوطنية تنخر جسمنا الاجتماعي، وتهدد العمالة الوافدة بملايينها الستة أو السبعة! استقراره وأمنه واقتصاده.. علّه - وهو الوطني المستنير - يفيد من تجارب أرامكو الرائدة، في مجالات التدريب والتوظيف والإدارة.