ستالين استطاع ترحيل شعوب، وإبادة قادة عسكريين، ومفكرين من أجل تثبيت الحكم الشمولي، وبريطانيا والدول الاستعمارية الأخرى، ركزت على خلق أقليات تحكم الأكثرية، وأعدمت كل من يعترض طريقها في تنفيذ مآربها، وإسرائيل ذبحت بمختلف الطرق الفلسطينيين من الأطفال إلى الشيوخ إلى أعمدة السياسة والفكر، ومع ذلك سار الطريق بالاتجاه المضاد، اي ان الشعوب لم تهزم بقتل زعمائها، والدلائل كثيرة، لأن دولاب الحياة لا يقف على شخص او مجموع بل على الإرادة التي تجعل التغيير حتمياً، وإعادة ولادة زعماء وقادة بشروط جديدة.
إسرائيل لديها هاجس الرعب، ولذلك تأتي دوافع الانتقام عندها مبررة باستباق الأحداث، اي أن من لا يريد قتلي، لديه هذه الرغبة، والجائزة يجب ان تكون بالتعجيل لا بالتأجيل لقتل الخصوم، وقد مارست هذا الفعل مع البريطانيين، وبقايا النازيين، وضاعفته مع الفلسطينيين بدءاً من المذابح ما قبل حرب 48، وحتى مقتل الرنتيسي.
لا جديد في الأحداث، مناظر تفجير أجساد وأدمغة الشيوخ او القادة والاطفال الفلسطينيين سوف تكرس الإضافات المعنوية والنفسية، بأن العداء مع إسرائيل لا تحله القيم الأخلاقية بل ضرورات من له الحق في البقاء، وطالما السلاح بيد إسرائيل الاقوى، والاكثر انتشاراً وتدميراً فالإرادة لها نفس المعادل من حيث القوة والفعل وسبل الانتقام، وهنا يأتي الخطأ اي أن تقدير إسرائيل بأن سياسة الإبادة سوف تخلق عناصر استسلام تتفاوض معها بالتوقيع على فراغ، هي نفس القناعات التي سبق استخدامها من قوى اكثر تجربة وهيمنة، ولعل زيادة القناعة عند الإسرائيليين انها جدولت الاحداث من اجل هزيمة العرب، وإقرار الامر الواقع، وبمعونة ودعم مطلقين من أمريكا.
القتل نتيجة منطقية لمن يفكر بأسبابه بطرق أقرب الى العشوائية، واحتياطات لفعل يسبق رد الفعل، لكن إسرائيل ومعها أمريكا لن تستطيعا قهر عالم إسلامي بدأ يشعر بأن الظرف التاريخي لا يقوم على علاقة فرضية لصالح طرف ضد آخر، والتوقيت يظل لصالح القوتين، لكنه بالمعادل الآخر ضدهما، وهنا نجد أن عقلانية بعض الإسرائيليين، اكثر منطقية من التزام القيادة الأمريكية التي ترى الأمور من زوايا عقائدية، حين يرون الأمور بعكس تصورات وأهداف شارون بل يحذرون من نتائجها، وينتقدون الأوضاع بموضوعية اكثر من الرأي الرسمي الأمريكي الذي يبارك ويرى في هذه النزعة دفاعاً عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
الخطوط متقاطعة بين اسرائيل، وأمريكا من جهة، وبين العالم الإسلامي من جهة أخرى، لأن ما يحكم الظرف الراهن تطور نحو الأسوأ، وربما تجد أمريكا أنها تحاصر نفسها امام زخم إسلامي وعالمي ومثل هذه المغامرة هو الذي جعل صعود، وسقوط الأمم أمراً حتمياً بفعل تناقض الافعال ودورة التاريخ الذي يجعل خارطة العالم متغيرة بما فيها هذه المنطقة المأزومة.