بحث



OLD

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


المقال
انعدام التعدد سبب في التحولات الفكرية الحادة

يوسف أبا الخيل
    تشكل التحولات الفكرية من مذهب لآخر ومن اتجاه فكري داخل المذهب نفسه إلى اتجاه آخر إحدى أبرز الظواهر في الثقافات المغلقة بالذات، وتتباين شدة درجة التحولات هذه حسب الظروف الثقافية السائدة وحسب درجة الانغلاق التي تتحصن داخلها الثقافة المعنية، فبينما يكون حاداً في الثقافة المغلقة تماماً يكون متوسطاً إذا حدث ولا يتعدى ربما (انحساراً) لدرجة تشدد ما كان يتبوأها الشخص المتحول وصولاً لدرجة ما من الاعتدال.

الثقافة المغلقة وفقاً لمكوناتها وأهدافها وفقر أو انعدام زادها الفلسفي عادة ما تعطي معتنقيها إجابات نهائية سواء أكانت لمسائل فيزيقية أو ميتافيزيقية ما ورائية لا تحتمل التساؤل أو المناقشة، فهي بطبيعتها الأحادية القطعية لا تعطي احتمالاً لرؤى أخرى مخالفة قد تحمل معها جزءاً من حقيقة متعالية بل إنها تعطي إجاباتها للمستشكل وكأنها حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من ثم فالمتلقي في هذه الثقافات المغلقة سيأخذ الرؤية المخالفة لما يحمله تجاه مسألة ما باعتبارها باطلاً من الأساس لا يمكن أن تناقش لأن زاده المعرفي ومن ثم فعله الثقافي بالتبع تأسس وفق بعد أبستميولوجي ذي وجه أحادي اعتاد تلوين الإجابات المعطاة من قبله لأية استشكالات باللون الأبيض حيث الحق الأبلج وباللون الأسود حيث الضلال والانحراف للإجابة المخالفة ولا مجال للون الرمادي بينهما، ولهذا نجد هذه الثقافة مؤسسة على ثنائيات حادة من قبيل الحق - الباطل، الهداية - الضلال، السنة - البدعة، الالتزام - الانحراف، الإسلام - الكفر وهكذا ولا يوجد بين هذه الثنائيات أية مساحة أو منطقة برزخ تجد فيه الآراء المخالفة متنفساً لها.

هذه الظروف الحادة من الثنائيات المغلقة النهائية لابد وأن تنتج تحولاً إذا حدث حاداً صارخاً متبرئاً من كل زاده القيمي السابق متأزماً مع الجميع ناسفاً كل ما كان يعتمر داخله لصالح فكر آخر مساو لفكره السابق في الشدة ولكنه معاكس له في الاتجاه تماماً، وفي هذا الاتجاه يشكل المفكر الراحل عبدالله القصيمي نموذجاً صارخاً للانقلاب الفكري الحاد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار انطلاقاً من ذات الظروف التي تحدثت عنها آنفاً، فعندما قدم إلى القاهرة في أوائل القرن الماضي وكان في قمة سلفيته بجانبها الأحادي الحاد صدم صدمة فكرية عنيفة عندما وجد بعض شيوخ الأزهر آنذاك يجيزون التوسل بالصالحين اعتماداً على بعض الأدلة عندهم مثل حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه في قصة الضرير الذي شكا ضرر عينيه للرسول صلى الله عليه وسلم ومثل قصة توسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس بن عبدالمطلب عند الجدب لأنه (أي القصيمي) تربى على قطعية اعتبار هذا الأمر بمثابة شرك أكبر فألف كتاباً في الرد عليهم أسماه (البروق النجدية، في اكتساح الظلمات الدجوية) وكان ذلك عام 1931ميلادية وهو بمثابة نقض لما توصل إليه الشيخ يوسف الدجوي أحد شيوخ الأزهر آنذاك بجواز التوسل، فسمى الاتجاه الأزهري في التوسل (ظلمات) واعتبر هجومه عليهم بمثابة إعادة الحق الوحيد إلى نصابه (استخدام للمعادلة الثنائية في التعامل مع المخالف)، وعندما اختلف مع أحد الشيعة الإمامية الموجودين في القاهرة آنذاك حول بعض المسائل القطعية لديه ألف كتاباً في الرد عليه أسماه (الصراع بين الإسلام والوثنية) وهي إحدى الثنائيات التي تربى عليها القصيمي في تعامله مع مخالفيه.

مع الانفتاح النسبي الموجود في مصر آنذاك ومع حرية التعبير النسبية أيضاً لم يكن آنذاك من سبيل لوأد الرؤى المخالفة فكان لابد للقصيمي رغم تصديه لتلك الأفكار أن يسمع ويقرأ ويعايش مزيداً من الآراء المعارضة تماماً لما يتبناه، وعلى وقع هذه الأجواء الفكرية المحيطة به كان لابد لعقله أن يتساءل وتوصل في البداية إلى أن بعض ما يحمله من آراء ومعتقدات باعتبارها قطعيات حدية ربما تقع أو بعض منها على الأقل في جانب الظنيات وهنا بدأت مرحلة الشك لديه ولكنه ليس الشك المنهجي على طريقة (ديكارت) الموصل في النهاية إلى توازن نفسي مريح.

ظهرت أولى علامات تحوله الفكري بدءاً من الأربعينات بمشاركته المفاجئة بظاهرة النقد الذاتي للخطاب العربي آنذاك وابتدأها فعلياً بتأليفه لكتابه (لماذا ذل المسلمون) في عام 1945م، وبعدها بست سنوات تقريباً أتبعه بتأليف كتابه ذائع الصيت (هذه الأغلال) نقد فيه وبشدة مظاهر التخلف لدى المسلمين وأرجعها إلى التمسك بمظاهر ومسلمات ليست من الدين في شيء وتحول القصيمي أثناءها من المدافع الأبرز عن السلفية إلى الناقد الأبرز لها ومن مهاجم للتيار الليبرالي آنذاك إلى نجم من نجومه والمحتفى به الأبرز من بين نخب التيار.

امتد التحول الفكري الكاسح لدى القصيمي لبلوغ مرحلة الإلحاد والهجوم على كل المظاهر الدينية. وكانت هذه المرحلة من تحوله الفكري من أغزر فترات عمره إنتاجاً وتأليفاً كما تقول عنه (يورغن فازلا) في دراستها عنه التي سمتها (من أصولي إلى ملحد، قصة انشقاق عبدالله القصيمي) فقد افتتحها بتأليف كتابه (العالم ليس عقلاً) وذلك في عام 1963م، وبعدها بثلاث سنوات فقط أي قبل عام النكسة العربية بعام واحد أتبع هذا الكتاب بكتابين يؤصلان لنفس الاتجاه الحاد هما (هذا الكون ما ضميره)، (كبرياء التاريخ في مأزق). في عام 1967م حدثت النكسة العربية بكل تداعياتها المأساوية وكانت بداية لهبوط نجم القومية العربية الصاعد قبل النكسة بقوة فكان القصيمي (سوبر ستار) هذه المرحلة المتميزة بالإحباط العربي التام والتلهف لكل ما هو نقد حاد للذات بل والدعوة للقطيعة التامة مع الماضي ومنه بالطبع ماضي القصيمي السلفي المتداخل مع ظروف هذه المرحلة، وفي مثل هذه المناخات السائدة يمكن أن تجد فلسفة القصيمي التي تدعو إلى تحطيم الصور النمطية السائدة للسياسة والدين مكاناً ملائماً لها وأرضاً غاية في الخصوبة..

(يتبع)


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية