أمريكا بلد العجائب، أغنى دولة في المال، والعلوم والقوة التقنية والعسكرية، لكنها عالم يغيّره فيلم أوحدث صغير أو كبير، وشعب ليست لديه الرغبة بمعرفة ما هو خارج حدوده، إلا بما يمس دخله اليومي والشهري، وهذا المحيط الهائل والكبير، استطاعت عناصر يهودية مهاجرة الغوص في داخله وقلب الصور المعتادة عن اليهود، مراباتهم، وانعزاليتهم، وتصنيفهم التاريخي وبأنهم أعداء للعالم، إلى سادة يقررون ما يريدون في السياسة، والإعلام والاقتصاد.
هذا النموذج من الغزو والسيطرة على أكبر قوة عظمى في العالم، لا يمكن أن ينجح في دول آسيوية كاليابان والصين مثلاً، أو حتى كوريا الجنوبية، لأن أصول هذه الشعوب تاريخية وليست مهاجرة كالأمريكان، وهو سبب جوهري في أن تتحول إسرائيل بقوة عناصرها الدينية والمالية إلى جذر أساسي في توجيه السياسة الأمريكية، لكن الأمر ينقلنا إلى تساؤل عام هو لماذا فقط اليهود، وهم أقلية، ولم يكونوا الأقوى مادياً من عناصر أوروبية تدين بالمسيحية، ولا الأفارقة أو اللاتينيين، وربما أقليات مثل الصينية تفوقهم بالعدد، لكن ليس لهم النفوذ في تغيير هياكل السياسة على أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، وآسيا؟..
القضية ليست عبقرية اليهود، كما يحب الكثير من المفكرين، أن يجعلهم شعب الله المختار، لكنها شطارتهم بالغوص بمجتمع معزول، وجديد على الاحتكاك بالعالم الخارجي، وهذه الفرص التي استغلها هؤلاء المهاجرون، كانت متاحة لليونانيين، مثلاً، لكن الإسرائيليين طبعوا قوة نفوذهم بالإعلام، والمال، إلى اتخاذ الجانب الديني وسيلة توازي أي قوة أخرى، ومن هنا تحولت الكنائس، والأديرة، وعناصر اليمين المتطرف إلى قوى مساندة ودعم لليهود، ومن ثم اعتبار إسرائيل الواجهة الروحية التي ينتهي إليها العالم بنزول المسيح عليه السلام، وسيادته الأرض، وهذه النزعة الدينية في مجتمع يعد ملتصقاً بتراثه الروحي سهّلت مهمة اليهود دون غيرهم في أن يصلوا إلى المشاعر الأمريكية بأسهل الطرق، وأن يجعلوا المسيحيين طرف الشراكة في دعم مواقفهم والتعاطف مع ما يدعون أنه حقهم الروحي في فلسطين..
قد لا تختلف القضية لو أن فلسطين بأي قارة أخرى وخارج الأرض العربية، ستبقى المسلّمات والفرضيات قائمة، ولذلك لن نفاجأ أن يأتي كل رئيس أمريكي، أو يحاول الوصول إلى البيت الأبيض أن يقدم إسرائيل رأس حربة في مشاريعه، ولعل بوش الابن، الذي عُرف بأنه مؤمن إيماناً دينياً قبل أن يكون سياسياً، أو صاحب هدف قومي لصالح بلاده، أن يعطي إسرائيل ما عجز أن يعد به مؤسسو إسرائيل من اليهود والانجليز، وهو طور جديد في عقلية السلطة الأمريكية التي باتت ترى بها حليفاً روحياً تجعل أهدافها فوق الهدف الأمريكي طالما المشاعر الروحية باتت مسيطرة على هذا العقل، وكل من يدور بأروقة البيت الأبيض والكونغرس.