مهما تقدمت بنا الخبرة
وأيا كان مبلغ العلم لدينا.
وبعيدا عن التجربة الحضارية فسيبقى جزء غير يسير منا يقبع في أزقة الظلام. ويتغذى على الأمل الحالم. ويدفع ضريبة اختياره ولكنه لايتعلم من أخطائه.
لعل هذا مايفسر كثرة ظهور أدعياء العلاج بالأعشاب أو الطاقة أو الشعوذة .
وهو مايفسر تقاطر الناس على هؤلاء رغبة في الشفاء رغم التحذير.
وما يخبو نجم دعي حتى تبزغ نجوم آخرين.
فلان ذهب إلى المكان الفلاني للعلاج.
وآخر سمع بمشلول تماثل للشفاء على كذا وكذا.
ومثل هذه الممارسات الخاطئة لها أثمان باهظة.
أولها: الصحة ذاتها حيث ينتج عن بعض المستحضرات المستخدمة أمراض جديدة وخطيرة. ولقد أصيب بعض المرضى بالسرطان من مستحضرات مسرطنة استخدموها لأعراض غير مهمة. وهناك من فقد كبده ومن أصيب بجلطة الأوردة نتيجة أعشاب صرفت له تحتوي على مواد سامة.
ثانيها: هدر المال. ونصيب هذه الممارسات في السوق يفوق مئات الملايين. وكثير منها يذهب لدول الجوار بتأثير الدعاية عن طريق المحطات الفضائية والإنترنت، حيث ادعاءات علاج السكر والسرطان والإيدز.
ولعل ذلك الجزء الحالم منا هو أحد دوافع البحث عن الخلود التي لم تنقطع منذ آدم عليه لسلام.
كيف يمكن وقف مثل هذه الممارسات.
لنا تجربتنا في مجال كشف زيف هؤلاء وقد قدمت أكثر من ورقة في مؤتمرات عالمية موثقة بتحليل المركبات الكيميائية وما تحتويه من مواد ضارة وأسعارها الخيالية. وقدمت عدة مقالات عن هذه الممارسات ولكن التيار قوي ولا يمكن وقفه. ولعل هذا ماحدا ببعض الأطباء لترك أعمالهم والانخراط في قائمة أدعياء العلاج.
هل يمكن للتثقيف وقف هذه الممارسات؟
أكاد أجزم أنه لن يقضي عليها حتى وإن نجح في تقليصها.
الحل يكمن في توفير الخدمة الطبية المتميزة وفي تشجيع البحث الطبي.
ثم يُترك للناس الخيار ولئن كان إكراه الناس على الهداية أمراً غير ممكن وغير مجد فإن إكراههم على حماية صحتهم أقل جدوى وأكثر استحالة.