السيادة.. أم السلطة في العراق؟!
لا تزال جملة تسليم السلطة إلى العراقيين خلال الشهور القادمة ناقصة المعنى والمضمون، إذ هناك فرق بين سلطة حكومية تحت ظل احتلال قائم، وبين سلطة وسيادة عراقيتين على أسس قانونية وتشريعية.
فالحكومة العراقية القادمة، حتى لو جاءت منتخبة من الشعب العراقي فهي مقيدة بأوامر ونواهي المحتل، أي حكومة ظل، بمعنى أن أمريكا لم تنصت لمن هم يفوقونها بالتجارب وفهم الشعوب، تراثها وحضارتها، وسماتها الاجتماعية، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يقتنع البيت الأبيض بضرورة الاستعانة بإيران من أجل حل الكثير من الإشكالات لبلد مرتبط تاريخياً ودينياً بها، لأن الموضوع هنا يدخل في السيادة الكاملة للعراقيين والتي ترى إيران، كما الدول المجاورة له، أن أي خلل في ميزان القوة، سوف يؤثر أمنياً على تلك الدول، خاصة إذا ما كانت هناك قواعد عسكرية قادرة أن تختار في أي لحظة ميدان معركتها، وقد لا يتعلق الموضوع بالاستعانة بإيران وحدها التي ظلت أحد محاور الشر والدولة المنبوذة، طالما ما تحرّمه القوانين تحلله السياسة، وأمريكا مضطرة أن تعيد حساباتها سواء مع سوريا، ولبنان، أو مع تركيا وإيران، لأن عراقاً ناقص السيادة سوف يُحدث فوضى وانقسامات داخلية، ومن غير المنطقي أن تقبل الدول المشتركة معه بحدود وملابسات قومية وأثنية، أن تصوغ سياساتها وأهدافها وفق الإرادة الأمريكية، ولعل الأسبوع الماضي فقط، حين تحول الصدر الى بطل وطني لكل العراقيين، وهو الذي تراه أمريكا أقل من أن يُحدث لها أي خلل أمني وسياسي، فهمت حقيقة الوضع، وانقلب العدو الإيراني، إلى رفيق درب في توطين الأمن في العراق..
نفس الأمر مع الحليف التركي الذي يرتاب بالأهداف الأمريكية بإعطاء الأكراد حكماً مستقلاً، لتكون هذه الدولة الصغيرة نواة الدولة الكردية المتناثرة أجزاؤها بين تركيا ذات العدد الأكبر ثم الدول الأخرى، وبحسابات المنطق، لابد أن تعمل أمريكا على أن القوى متساوية مع بعضها في التأثير على العراق، سواء كانت بحجم تركيا وإيران، أو سوريا، والكويت ودول الخليج الأخرى، ودون مساندة وفهم لطبيعة الأوضاع في المنطقة كلها، فإن أمريكا ستظل جسماً مرفوضاً داخل هذا التنوع الإقليمي والسياسي..
عموماً خطوة أمريكا نحو إيران جاءت متأخرة، لكنها ضرورية، وحتى تحمي أمريكا مصالحها سواء كانت مع الدول الصديقة، أو الضد، فإن عليها أن لا تجادل بأنها المفوض العام على هذه الدول وشعوبها.. بل بالقراءة الصحيحة وأن العراق الذي جاءت ظروفه كأخطر امتحان للدولة العظمى، أن لا يكون سبباً في نكساتها والتي قد يترتب عليها حماقات أخرى.