كل الحروب الأهلية تنشأ من تباينات داخلية تجعل المذهب والقومية والقبيلة والحزب فوق وحدة الوطن، ولا يُستغرب أن تجد المتقاتلين يملكون قيادات على مستوى كبير من التعليم والثقافة لكنهم مخلوقات مشوهة من داخلها حتى إن الشكوك تصل الى حد اتهام تلك العناصر بالعمالة، عكس ذلك حين تقوم دولة اجنبية بغزو أخرى ليتغذى الصدام من حقائق جديدة، أي الكرامة الوطنية مقابل المحتل لتتوحد الفصائل كلها التي ظلت على تقاطع مع بعضها، ولعل النموذج الجزائري واللبناني يعطياننا المثل، بالكيفية التي جعلت الجزائر تقدم مليون شهيد، وبمجرد أن اختل توازن القوى الداخلية حين فاجأ الإسلاميون فوزهم بالانتخابات بدأت رحلة الموت تجر الجزائريين الى حالات عنف ربما لم تصل بعض أفعالها حتى مع الاستعمار الفرنسي تجاه الجزائريين.
لبنان ايضاً في غمرة التقاتل بين المليشيات الإسلامية بطوائفها، والمسيحية بشوفينيتها وتحالفها مع إسرائيل، لتصل قوات شارون الى بيروت، تغيرت المعالم كلها ليتم تحالف القوى الإسلامية والحزبية بجميع أشكالها تجاه إخراج إسرائيل، اي ان التجزئة التي تحدث بأسباب غير موضوعية داخلية، توحدها ظروف مختلفة وخاصة أمام قوات الاحتلال.
في العراق انكسرت الصورة الزاهية لأمريكا حتى عند الذين تصوروا أنفسهم امريكيين أكثر منها، لأن السياسة الخرقاء التي أدارت بها واقعاً عراقياً لا تعرفه، أحدثت الفجوات والتصدعات، وهنا جاء الاختلال من طبيعة العقلية الأمريكية التي ترى العالم انعكاساً لصورتها ونموذجها، لتأتي مليشيات الصدر كرمز يعلن عن نفسه مكافحة الاحتلال، ليسجل التحاماً مع قوى إسلامية سنية ومستقلة، وأحزاب يسارية، ويذهب الخيال الأمريكي الى قطع شريان اليد اليمنى للصدر بمحاصرة مليشياته التي استطاعت كسب الحق الشرعي للمقاومة، والغريب أن امريكا التي عاشت عاماً كاملاً مع العراقيين عجزت أن تصل الى فهم منطقي للكيفية التي يمكن بها التعايش معهم، والخطأ جاء من عزلتهم واستخدام عناصر عراقية قد لا تكون بالمستوى الذي يؤهلها ان تصبح قيادات بديلة وجاهزة بعد عام من الاحتلال، والخطأ الأخطر أنها تحارب مليشيات الصدر في الوقت الذي تدعم الجيش الكردي "البشمركة" وفي بلد ينزع الى وحدة وطنية بمقومات دمج كل العناصر ببعضها، ولعل الشعور العام بتمييز طرف على آخر، حوّل الشيعة من طرف محايد الى طرف محارب، وقطعاً إذا استمرت الظروف بتداعياتها الصعبة، فإن وحدة الإسلاميين ستقلب الطاولة كلها، وتتحول أمريكا الى خصم لكل العراقيين وقد لا تستطيع تجاوز هذه الحالة الا باتساع رؤيتها قبل أن تحل الكارثة.