هناك حكمة تقول "الجلوس مع رجل خبير أفضل من مائة كتاب".. فجلوسك مع شخص متخصص يمنحك "زبدة" ما كتب و"خلاصة" خبرة امتدت لأعوام.. ومؤخراً اجتمعت بالصدفة إلى طبيب شرعي (استدرجته) للحديث عن كيفية التمييز بين الجرائم المتشابهة؛ فقد سألته مثلاً:
÷ كيف تفرقون بين رجل شنق نفسه ورجل قُتل خنقاً ثم علّق بالسقف!؟ وكيف تفرقون بين إنسان تم اغراقه في البانيو ثم سحب للشاطئ ليبدو وكأنه غرق هناك!؟
وقد أعادتني أجوبته إلى زمن المراهقة والتعلق بالروايات البوليسية - والتي بسببها أصبحت أخشى من فرط معرفتي بالأساليب التي يتبعها المجرمون لارتكاب جرائمهم والمحققون للكشف عن ملابسات الجريمة - خصوصاً أنه لا يمكن التنبؤ بالاتجاه الذي تقود إليه معرفة كهذه.
÷ ورغم أنني لا أتذكر تفاصيل الروايات القديمة إلاّ أنني لم أنس أبداً الملاحظات والمهارات الذكية التي يستعين بها المحقق للتعرف على ظروف وملابسات الجريمة.. فعلى سبيل المثال:
يمكن بنظرة سريعة تحديد ما إذا كانت الجريمة وقعت في المكان الذي وجدت فيه (أم نقلت إليه من مكان آخر)؛ فإذا وجدت - حول الضحية - بقعة دم كبيرة دل ذلك على ان الضحية قتلت في هذا المكان. أما إذا كان المكان حولها نظيفاً فهذا دليل على ان الضحية قتلت في موقع آخر ثم سحبت إلى هذا المكان للتمويه.. وإذا اكتشف الطبيب الشرعي وجود احتقان في الرئة أو نزيف بسيط في الحنجرة والجفون دل ذلك على ان الضحية قتلت خنقاً. وحين يخنق القاتل ضحيته ثم يعمد إلى تعليقها (كي يوحي بأن الأمر مجرد انتحار) تظهر على أطراف المجني عليه حركة تشنجية ثابتة تكون الفرق بين مقاومة المقتول للقاتل، واستسلام المنتحر لمصيره!!
÷ وكما ذكرنا سابقاً قد يعمد القاتل إلى إغراق ضحيته في البانيو ثم يسحبها إلى البحر أو المسبح كي يبدو كحادث غرق طبيعي.. وفي هذه الحالة تشير تشنجات الأطراف وتحليل الماء (الموجود في الرئتين) إلى طبيعة الجريمة ومكان الحادث!
أما إذا قتلت الضحية بمسدس فيمكن لمكان الرصاصة ان يوحي بأشياء كثيرة؛ فالجرح الملوث بالبارود (ويحيط به غشاء ممزق) يدل على ان إطلاق النار تم من مسافة قريبة - وغالباً من شخص معروف يمكنه الاقتراب بسهولة. أما إذا كان مدخل الرصاصة صغيراً (وقطرها حاداً) فهذه إشارة إلى ان اطلاق النار تم من مكان بعيد نسبياً.. كما يمكن معرفة موقع اطلاق النار من خلال تحديد مسار الرصاصة (داخل الجسم) ثم مد خط وهمي أو ليزري إلى حيث ينتهي - وربما إلى سطح بناية مجاورة!
÷ أيضاً قد يعمد المحقق الخبير إلى لمس الجثة ليخرج بفكرة أولية عن زمن وتاريخ الوفاة؛ فتيبس الأطراف دون غيرها يشير إلى ان الوفاة حصلت قبل خمس أو ست ساعات؛ وإن لم تبرد الجثة بشكل كامل دل ذلك على ان الضحية توفيت خلال 12ساعة على الأقل.. وبالطبع يملك خبراء الطب الشرعي أساليب وطرقاً أكثر تعقيداً لتحديد زمن الوفاة؛ فبعض الحشرات - كالذباب مثلاً - تنجذب فوراً إلى الجثة لوضع بيوضها عليها. ومن خلال معرفتنا المسبقة بدورة نموها من بويضة إلى يرقة إلى حشرة كاملة يمكن تحديد زمن الوفاة بدقة كبيرة.. كذلك لا ننسى أنه من خلال تحليل نوعية وبقايا الطعام في معدة الضحية يمكن تحديد زمن الوفاة (وربما المطعم) الذي تناولت فيه الضحية البيتزا أو المكرونة!
المقصود.. انتبهوا لما تقرأون.