العراق.. بعد عام على الحرب: بين وجه العراق الحر.. ووجه العراق الجريح!
9 ابريل 2003، لم يعد يؤرخ لوجه العراق الجديد، وهو وجه مازالت تفاصيل ملامحه رهن التشكل.. انه ايضاً يؤرخ مرحلة جديدة دخلتها المنطقة، وستظل تتأثر بها الى فترة قد تطول.. وقد تحمل كل مخاطر او ارهاصات التحول.. وعلى كافة المستويات.
المشروع الامريكي للعراق، لم يعد سراً انه كان ضمن خطة استراتيجية تستهدف إعادة تشكيل علاقات الولايات المتحدة الامريكية بمنظومة دول الشرق الاوسط.. وفق مفهوم استراتيجي تبنته الادارة اليمينية الامريكية ودفعت به ادارة بوش الابن للأمام.. حتى إن يمكن ان يطال البنية السياسية القائمة في دول المنطقة منذ عقود.. وجاءت أحداث 11سبتمبر لتعلن التدخل العسكري المباشر في تنفيذ هذه الرؤية، جنباً الى جنب مع الضغط السياسي المتواصل.. وهي تستند الى ما يعرف بالضربات الاستباقية لأي تهديد او أي احتمال يمكن ان تتعرض له المصالح الامريكية في منطقة الطاقة وبؤرة التوتر وانتاج علاقات الصراع مع القوة المهيمنة على عالم اليوم.
صار من اليومي المستهلك ان نتذكر ان قصة اسلحة الدمار الشامل التي حاكت من خلالها الادارة الامريكية مسوغها للتدخل، لم تكن سوى الشماعة السهلة التي تعلق عليها الادارة الامريكية، وحليفتها ادارة بلير في بريطانيا مشروعية تدخلها في العراق.. لكن اللغز الكبير الذي لا يسأل عنه أحد، كيف وقعت (السي أي إي) في مصيدة هذه الكذبة.. وهي تدرك ان التحقيقات اللاحقة ستكشف كل آثار هذه الكذبة الكبرى.. وتلك من الاسرار المؤجلة التي ربما كشفتها يوماً لعبة أخرى من لعبة الأمم وصراعاتها المكشوفة والخفية في منطقتنا العربية المنكوبة.
ليس هذا كل ما في الامر، فالحرب قامت والغزو حقق هدفه الرئيس في اسقاط النظام، وهاهو يحاول جاداً ان يخرج من مأزق العراق وهو يحمل في يد أجندة مشروع التغيير اللاحق، من خلال تنظيم وجه الدولة الجديدة وبناء مؤسساتها، وحماية نظامها.. وتوفير الغطاء السياسي والعسكري للوجود الامريكي بعيد المدى.. لتكون العراق النموذج الذي بهرت بصناعته ادارة امريكية لم تتوان عن استخدام كل قواها في تنفيذ أجندتها التي ترسم معالمها في مراكز البحوث ودراسات المستقبل.. وفي يد أخرى العبء الكبير الذي يتوجب عليه دفعه في مشهد العنف اليومي والرفض المتواصل، وصراع القوى الخفية والظاهرة على كعكة العراق.
بعد عام على الحرب في العراق، كيف يبدو عراق اليوم؟.. كيف يمكن تقييم حصيلة عام؟ كيف ينظر العرب الى عراق اليوم؟، وكيف تبدو معادلة الدولة المنشودة وسط هذه الاختلاطات التي بقدر من تعطي معالم قادمة لشكل حكم العراق وعلاقاته، والقوى الفاعلة في مسيرته.. فهي أيضاً تنذر بوضع خطير قابل للتفجر، وضخ قدر كبير من اليأس في التحول الايجابي المنشود من قبل الذين يؤرقهم هذا الصراع المتواصل بين قوى لا تحمل أي اجندة او مشروع، سوى الحفاظ على وجه الطائفة ومكتسباتها وشروط وجودها وبين مجموعات سياسية متباينة المواقف متخلطة الرؤى تحاول ان تبحث عن موقع قدم وسط هياج شعبي لا تحركه سوى الخطب والشعارات السهلة والانتماء الضيق لفصيل او طائفة او قومية.
بين المثلث السني الذي تنشط فيه كل اشكال الرفض والمقاومة، حد سحل الجثث المحترقة، وبين رهاب او عصاب قوة احتلال تحرق كل جسور الثقة مع هذا الشعب بمحاولة اخضاعه لارهاب القوة وأحداث الفلوجة الأخيرة نموذج شنيع لهذا الاخضاع لا يكاد يشبهه سوى ما تفعله اسرائيل بالفلسطينيين.. وبين الجنوب الشيعي القابل للحراك والتهييج والمرتبط بأكثر من مرجعية - سياسية - طائفة - دينية.. والأحداث اليومية الدامية الأخيرة كشفت هذا الاستعداد الكبير لخلط الاوراق وهي تصنع من كاريزما شخصية مقتدى الصدر الثائر، ما يشي بأكثر من فصل مرتبك وخطير كيف يمكن تلمس ملامح العراق الجديد.
القضية الأكثر خطورة اليوم، تتجاوز معاني الرفض لمشروع العراق الجديد وفق الاجندة الامريكية الى حد السؤال.. أي عراق أقرب لوجه الإنسان، عراق صدام حسين أم عراق التحالف أم عراق ملوك الطوائف.. اذا كان من المسلم به حد الاتفاق على ان تجربة عراق صدام حسين لم تخلف بعد عقود سوى الدمامات والآلام والجراح والفقر والمعاناة اليومية من كل اشكال الاستبداد والقمع المنظم من قبل دولة مخابراتية بإمتياز.. فيبقى السؤال ما هي الاحتمالات القائمة لعراق المستقبل؟ وأي مشروع يمكن التعامل معه، ليس من منظور يعتمد الموقف من فكرة الاحتلال او بروباغندا الارتهان لقوى التغيير القادمة من خارج العراق لتصنع عالم العراقيين الجديد.. كما هو النفس اليومي للشارع العربي.. الذي لم تغلغل في وجدانه بعد ان المسألة ليست كرامة قومية فقط.. وليست صراخاً ايديولوجياً يحيد وجه الإنسان.. وليست صراع حضارات ليس منا منها سوى ادعاء اطراف في صراع، بينما نحن مادة الصراع وحطبه اليومي.
المنظور المغيب عن وجه الإنسان العربي، والذي تعبث به فضائيات اليوم المتخصصة في إرباك العقل العربي، ان المعادلة يجب ان تقوم بين استبداد شرس وعنيف ومؤذ ومتواصل يصل حد الابادة الجماعية عنوانه المحلي او القومي او الوطني.. وبين وصاية اجنبية ترسم ملامح مشروع من المؤكد انه يستجيب لمصالح استراتيجية ويؤمن مكتسبات ومصادر طاقة ويحيد مخاطر محتملة أو قائمة عن الدولة الأعظم في عالم اليوم قوة ونفوذاً وسيطرة.. لكن من بين ثنايا هذا المشروع أليس ثمة امكانية وفرصة مواتية لكل القوى الحية ان تتلمس المشتركات الكبرى فيما بينها، لبناء نموذج مختلف لا يخضع لا لسلطة الاستبداد ولا لقوى التحالف التي سترحل طال الزمن أم قصر. ولن يكون البديل اليوم عن مشروع دولة القوى الوطنية المتحالفة، سوى هذه الانقسامات الحادة في الشارع العراقي الذي تقوده الغوغاء وتثيره الفتنة الطائفية وتتحكم في مساره توجيهات لا احد يعرف ماذا تريد في هذه المرحلة، اكثر من البحث عن مكتسبات طائفة ودور قادم اكثر تأثيرا في رسم ملامح العراق الجديد.. واذا كان هذا جزءا من استحقاقات طبيعية لفئات محرومة ومضطهدة عقوداً طوال.. لكنه يتحول الى معول كبير للهدم امام هذه الممانعة من كافة الفرقاء العراقيين الى درجة ان يتحول العراق الى ساحة مفتوحة لهدم مقومات وحدة الدولة.. وهي الضامن الكبير فيها، ليس الا الارتهان لنفس الطائفة او القومية ومكتسباتها.. قدر ما هو في القدرة على إقامة تحالف طبيعي وصحي مع كافة الأطياف لصناعة مستقبل ينعم فيه كافة العراقيين بدولة مدنية.. للعراقيين فيها حقوق المواطنة لا حقوق الطائفة.. وحقوق العمل العام في رحاب الدولة لا حقوق العمل من اجل كانتونات خاصة بجيوش خاصة وضمن ارتباطات خفية وظاهرة.. عامل التقويض فيها اكبر بكثير من عامل بناء جسور الثقة التي لا يمزقها شيء اكثر من الارتهان لقومية او أقلية او طائفة.
الذين لا يرون اكثر من فعل مقاومة في عراق اليوم، هم لا يرون ايضاً ان قيمة المقاومة في مشروعها لا مشروعيتها فقط.. فإذا كانت مقاومة المحتل مشروعة.. فإن مشروع المقاومة هو الأولى بالفحص والتقييم.. وإلا فستكون مجرد هدر متواصل.. وتضحيات مجانية.. تكشف للعالم اجمع اننا عالم بلا مشروع.. وان الذي نحسنه فقط هو فعل المقاومة والتقويض، لكن عجزنا الفاضح في فعل البناء.. ولن تكون الساحة العراقية اليوم بما يتفاعل على السطح من أحداث يومية سوى ميدان مرشح لعقود قادمة من العنف والعنف المضاد.. حتى يظهر مستبد آخر.. ابداعه الكبير في خنق هذه التناقضات وقتل مواهب الإنسان والابقاء على معادلته بين شبح الموت في أقبية المخابرات او الامتثال بلا شروط لسلطة لا تعرف التقييد.
مقاومة الاحتلال أيا كان شكله فضيلة، لكن مقاومة احتلال بلا مشروع دولة تستجيب لوجه الإنسان كارثة حقيقية.. عواطفنا السهلة تقودنا دوماً للارتهان لصيغة مقاومة بلا مشروع.. واذا كان المشروع دولة أقليات.. او طوائف.. او قوميات.. فلا العراقيون حافظوا على وحدة العراق القديم بكل دمامات وقبح التجارب التي مرت به.. ولا هم بعد هذه السنوات العجاف اجترحوا صيغة أكثر مقاربة لوجه الإنسان.
العراق اليوم بين مفترق طرق، إما أن يمضي بفعل تحالف القوى العراقية الوطنية الى تكتل حقيقي يعرف الممكن ويعمل على اساس بناء العراق الجديد خارج اسوار الهيمنة القديمة التي فشلت فشلاً ذريعاً في كل مشروعاتها سوى مشروع القمع المنظم وحراسة حدود النظام.. ويضغط بكافة اشكال المقاومة المدروسة لرحيل الاحتلال.. فالمقاومة ممكنة وفاعلة على مستوى الضغط المتواصل واليومي لتحقيق شروط الانسحاب بعد تحقيق شروط الدولة.. او الانسياق خلف دعاوى الفوضى والدمار الذي عانى منه العراقيون فصولاً طوالاً.. لكن المؤسف ان الخيار الآخر لا يحظى فقط بالقبول.. بل يحظى بالتدافع القاتل وما شهدته الساحة العراقية ابلغ من أي انذار آخر.أثبتت الايام الأخيرة، ان الذي يقود الشارع العراقي ليست القوى الديمقراطية والتقدمية والتي تؤمن بفضيلة التعايش السلمي مع كافة فصائل الشعب العراقي ضمن دولة قانون ودستور يملك الحصانة ضد الاختراقات المتواصلة.. ان الذي يقود اليوم الشارع العراقي قوى خفية وظاهرة.. تعتمد سياسة التهييج لجمهور يائس، مستلب استحوذت عليه فكرة الولاء المطلق للقومية حيناً وللطائفة حيناً وسط صراع محموم تتداخل فيه ضغوط الداخل بمصالح وعلاقات الخارج.. والايام القادمة كفيلة بأن ترسم الملامح الاولى لمشروع العراق الحر او مشروع العراق الجريح.