أمريكا.. والطرق العربية المسدودة!!
كي نعمل مع أمريكا في فضاء واضح، عليها أن تدرك أن تعليماتها التي تقدمها للدول العربية على شكل رسائل علنية وسرية في بعض الأحيان، أن تدرك أن الإصلاحات لا تتم بالإملاء بل بالعلاقات المتساوية، ونضرب مثلاً بالصين التي قامت، وبمبادرة خاصة، بإصلاحات اقتصادية غير مسبوقة مع الاحتفاظ بالحكم المركزي للحزب الشيوعي، وكذلك دول أخرى سبقت الصين بهذه السياسة، والدول العربية نعرف أنها خارج النسبة العالمية في التنمية، والحريات قياساً لإمكاناتها المادية والبشرية، وأن أصابع أمريكا في القيام بالانقلابات، وتأييد حكومات أخرى أحد أسباب التعقيدات العربية، وعليها أن تدرك أن إسرائيل هي مثلث الأزمة، ولا يكفي تبرير أفعالها لدرجة التصريح من قبل الرئيس بوش بأن شارون رجل سلام، وهو الطريد العالمي لانتهاكاته حقوق الإنسان في صبرا وشاتيلا، أو على الأرض الفلسطينية لمحاكمته، أن يعطيه الرئيس الأمريكي البراءة التامة ويضعه على قائمة المرشحين لجائزة نوبل للسلام..
إغفال الحق العربي يعد الستار المعنوي، والمادي في تثبيت ثقة العلاقة مع أمريكا وحجبها، ثم إنه إذا كانت أمريكا تريد أن تكون من أصحاب النوايا الحسنة، فعليها أن تثبت بالفعل، لا بالدبلوماسية الملتوية أنها تريد كسب العرب، والتفكير بما تهديه من مشاريع لشرق أوسط كبير، أي تعلن صراحة ما تريد أن تقدمه ولا تكتفي بالنصائح لأن تراثنا وعلاقاتنا بالعالم الخارجي، وطاقاتنا البشرية المتوفرة تغنينا عن أدوات التبشير..
فشرقها الأوسطي الكبير حكاية مطروحة، ولكنها خارج التصور لصعوبة تنفيذها وتصادمها مع الواقع والمستقبل، وإذا كانت تريد غطاءً يحمي مصالحها، ويؤكد مصالح دول المنطقة فيجب أن تعترف بسلوكها المضاد لجميع الأهداف التي حاولت هذه الدول أن تقوم بها، ولعلنا نريد تذكير الساسة الجدد في البيت الأبيض والبنتاغون، أن سوابق كثيرة جاءت كوصايا منذ فوستردالاس، والفراغ في الشرق الأوسط للرئيس أيزنهاور، وخطوات كيسنجر، ثم مسلسل ما بعد أوسلو .. كانت جميعاً خارج المصلحة القومية العربية، ومن هنا نشأ التشابك مع أمريكا كبديل يريد أن يحل مكان الاستعمارين البريطاني والفرنسي، لكن بأدوات مختلفة أي ممارسة الضغط السياسي والاقتصادي، وطالما الأمر متعلق برؤية أحادية تريد أمريكا تركيبها وتفصيلها للمنطقة، فإن الرفض المبدئي من قبل المملكة ومصر لمشروع الشرق الأوسط الكبير، قد يحسم تداول هذه الأفكار، وما نريده بالفعل أن يتحقق هو أن تتعامل أمريكا مع شعب ناضج لديه طاقاته التي تفهم أبعاد السياسة الأمريكية بكل تعقيداتها وألوانها، وأن إنكارها للرأي العام العربي يعيد علاقاتها مع المواطنين الى نقطة الصفر وقد تكبر لتصل الأرقام بالناقص، طالما القرار، مهما كانت القوة التي تحميه يبقى بدون غطاء قانوني أو مرجعية وطنية ما لم يلتق مع المصلحة القومية، وتلك هي المشكلة التي لا تريد أمريكا الاعتراف بها وحلها.