مشاريع أمريكية وأوروبية أخذت شكل فرض الديموقراطية، وإنشاء محطة "الحرة" وأخيراً مشروع الشرق الأوسط الكبير برؤاه السياسية والاقتصادية، والذي سبق أن طرحه بيريز في كتاب حمل نفس الاسم والمواصفات، أي إلغاء كل ما يتصل بتكتل أو تجمع أو تضامن عربي يحمل هذا المسمى، وقد لا يكون هناك اعتراض لو أن المشروع جاء بمبادرة من دول عربية، وأخرى محيطة بها شأن تكتلات النافتا، وآسيان، والاتحاد الأوروبي وغيرها، لكن أن يتم التفصيل والخياطة بمكنة أمريكية - وأوروبية، والمنفذ دول تختارها تلك القوى، وبدون أي دور لها، فهو نفس الإملاء والتعسف الذي حدث أثناء الاستعمار..
السبب لا يعود لرغبة في مشروع يشبه إنقاذ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية الذي حمل اسم مشروع مارشال، ولا ما حدث بعد انهيار العملات والأسهم الآسيوية عام 97التي رأت أمريكا أن ذيولها إذا لم يسارع صندوق النقد الدولي إلى التدخل ستُحدث أزمة عالمية، بل القضية هي تنفيذ استراتيجية إسرائيلية تكون هي رأس الجسر في الشرق أوسطية الكبير، أو الموسَّع والذي يشمل دولاً عديدة مثل تركيا، وإيران وباكستان وغيرها، وطالما الوضع العربي خارج الوزن العالمي، وفاقد للتأثير، فإن إعلان الوصاية بأساليب مستحدثة، ومفروضة، هو السلوك العام الذي يتطابق مع الموقف الأمريكي في المستقبل البعيد..
أغرب من ذلك أن الطبخات السياسية تتم خارج إرادة دول المنطقة بدليل أن اتفاقات أوسلو، وما بعدها في الشأن الفلسطيني - الإسرائيلي للسلام، كانت الدول العربية آخر من أُخذ رأيها، أي دول الثلاثمائة مليون بل كانوا مدعوين للتوقيع على الوثائق بدون إبداء الاعتراض أو حتى التساؤل، وموضوع الشرق الأوسط الكبير، وإن جاء كأفكار متداولة، إلا أنه المكمل للرغبة الأمريكية بضرورة تعميم الديموقراطية بهذه الدول حتى لو لم تتطابق الأفكار مع أغراض التنفيذ، وهذا الخلل سببه أن كل دولة عربية لا تفكر بمصالحها الوطنية، بل بدرء غضب أمريكا، لأن التفسخ العربي وصل إلى الحد الذي لابد أن يُفرض عليه السلوك العام لعلاقات دولية تتفق ومصالح الآخرين، وليس بالضرورة أن تتكيف أو تعمل على رفع مستوى الدول العربية اقتصادياً وسياسياً.
الإقرار بالحقيقة مؤلم، بدليل أن إصلاح الجامعة العربية كمنبر عام احتاج إلى صراعات مريرة، وقد لا تكون قمة تونس القادمة، قادرة على طرح المشروع العربي أمام أفكار وطروحات الدول الخارجية، والسبب لا يعود لدولة دون أخرى، بل لفقدان أهلية العمل الواحد، وهي أزمة حادة عجزنا أن نخترع لها العلاج، ولذلك فقد يكون مشروع الشرق الأوسط القادم هو ميثاق الجامعة العربية بإذن دولي لابد أن نخضع له جميعاً وننفذه بطيب خاطر، وإكراه..