بحث



OLD

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


أصوات
ومع ذلك لم يُقصهم!

محمد رضا نصر الله
    في موسم الأنويات الطاووسية المتضخمة، المزدهرة هذه الأيام، في ساحتنا الثقافية!! صدف أن فتحت قبل ليلتين على قناة التنوير الثقافية المصرية، فإذا بي أمام عباس محمود العقاد يتحدث في لقاء تلفازي.. أحسبه الوحيد.. هكذا هو ظني.. فأنا على شغفي بمتابعة الحوارات التلفازية، لم أر العقاد في حديث متلفز إلا في تلك الليلة، وقد سعدت بهذه المشاهدة أيما سعادة، إذ قربتني إلى التعرف على شخصية هذا الأديب العظيم.. الذي طالما قرأت بعض تآليفه في ميعة الصبا، وتوقفت عند بعض آرائه في أوائل الشباب.. قبلت بعضها ورفضت أُخراها.. إلا أنني كنت دائم الاحترام لعصاميته، وقد تغلب بها على ظروف السياسة والاجتماع، والافتقار إلى الشهادة الجامعية، حتى أصبح واحداً من أبرز لا الأدباء في مصر والعالم العربي، وإنما المفكرين كذلك.

فالعقاد صاحب رأي ورؤية، في قضايا الأدب حديثه وقديمه، وهو صاحب صولات وجولات، ارتعدت لها فرائص الدكاترة! وفي طليعتهم الأستاذ العميد الدكتور طه حسين، هذا الذي لم يجرؤ على التفوه بكلمة نقد سلبية في أدب العقاد، إلا بعد رحيله!! أما قبل ذلك فطه يجل العقاد ويهابه.. أهداه أحد كتبه، ونصَّبه أميراً على منصة الشعر العربي بعد وفاة شوقي!!

وكذلك هو الشأن مع أدباء مصر الآخرين.. معظمهم يخشى الاقتراب من مؤلف العبقريات بسوء، وأنىَّ لهم ذلك؟! وقد واجه الرجل من هو أقوى منهم.. وقصته مع الملك فؤاد في البرلمان المصري، شاهد ساطع على جرأة الرجل.. هي التي أدت به إثر ذلك إلى "عالم السدود والقيود" كما عنون ذلك لكتابه عن هذه التجربة السياسية.. حيث عرف الاعتقال السياسي مذ كان منتمياً إلى حزب الوفد قبل أن ينبت لمخالفيه ممن ثاروا ضده من شباب الأدب المصري الحديث ريش ، وهو ريش ناعم، سرعان ما جزّته مقصات الثورة!!

أراني ذهبت بعيداً.. وفي ذهني الحديث عن شخصية العقاد المتهمة بالاعتداد والغرور.. هذا ما رُسم في المخيال الأدبي داخل مصر وخارجها.. وهو على أي حال لا يدعي التواضع الكاذب، ممالئاً الجمهوروغير الجمهور.. بل إنه معتد بنفسه لا شك في ذلك ولا ريب.. إلا أنه الاعتداد الذي جعله لا يجامل الرئيس جمال عبدالناصر، حين أبدى رغبته في زيارة العقاد في بيته.. فتأخر هذا عن الموعد المضروب.. وكان ذلك في بداية العهد بالثورة .. فقد تصور العقاد، أو هكذا أراد، بأن يكون المزار لا الزائر!! فبقي في دارته الشهيرة دون أن يذهب إلى الرئيس في القصر!!

هذا الاعتداد هو ما دفعه ذات مرة لقبول التحدي من زميله العالم في المجمع العلمي، فطفق العقاد يقرأ في ذات التخصص، بقصد إبراز تفوقه على الخصم..

صحيح أن في هذا من العُجب بالنفس، والاعتداد بالذات، حداً جعل العقاد يبدو كالمصارع في حلبة النقاش! يستعرض عضلاته الثقافية!! إلا أنه يفوز بالمعركة في نهاية المطاف، نتيجة إصراره على التفوق بالقراءة التي كانت تستمر سبع ساعات متواصلة، يقضيها دفعة واحدة في قراءة كتاب، ليس بالضرورة محصوراً في مجال الأدب، قديمه العربي وحديثه الغربي، وإنما في تاريخ الشعوب وسير الأبطال.. والفلسفة والدين والفنون.. بل في العلوم.. حتى انه اقتنى في مكتبته أكثر من مئة كتاب في الحشرات! ذاهباً إلى أن التعمق في دراسة تكوينها البيولوجي، يقوده إلى معرفة التكوين النفسي والعضوي للإنسان، فهو يرى بأن عالم الحشرات، ما هو إلا "بروفة" وجودية - حسب تعبيره - لعالم الإنسان الأرقى.. وهو بالمناسبة غير داروِني.. بل إنه سجل ملاحظاته على نظريته في النشوء والارتقاء.

ما لفت نظري، في حديث العقاد التلفازي - وكان متدفقاً من كل صوب حاولت المذيعة الاقتراب منه - .. هو أن الرجل لم يدّع على ما فيه من داء عظمة أنه وحده الذي صنع الأدب الحديث في مصر أو أنه جندل قرناءه جميعهم ليبدو وحيداً في الميدان!! بل أشار إلى زملائه في صناعة النهضة الفكرية والأدبية.. فذكر عبدالرحمن شكري والمازني في كتاب الديوان مثلاً.. وكذلك فقد أبدى إعجاباً برجالات عصره.. سعد زغلول من الناحية الوطنية.. والشيخ محمد عبده من الناحية الفكرية.. وكذلك جمال الدين الأفغاني.. ولو سئل عن الأستاذ أحمد أمين.. لأثنى على جهده البحثي الضخم في إسلامياته المعروفة..

لم يحاول العقاد أن يُقصي أحداً، ممن صنع معه نهضة الفكر والمجتمع في بلده.. على ما اشتهر عنه من اعتداد بالنفس كان جديراً به..

لم لا؟! وهو الذي كون نفسه بنفسه، حتى استوى أديباً.. أو قل مفكراً بارزاً، ما أظن المكتبة العربية إلا ستفرد لمؤلفاته المتعددة القضايا والاهتمامات،على امتداد سنوات طويلة قادمة،، ركناً خاصاً لامعاً بآرائه العميقة، وأسلوبه المميز، وثقافته الموسوعية قليلة الأشباه والنظائر.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية