OLD

حول العالم

طوفان العصر الحديث

فهد عامر الاحمدي

    لا يمكن للإنسان خلال حياته قراءة أكثر من ثلاثة آلاف كتاب. وكي يحقق هذا الهدف عليه أن يقرأ ما لا يقل عن خمسين صفحة كل يوم.. وحتى إذا افترضنا نجاحه في ذلك يكون قد أضيف إلى المكتبة العالمية (خلال تلك الفترة) ما لا يقل عن عشرين مليون كتاب جديد!!

وللوهلة الأولى لا يبدو هناك أي مشكلة (ربما باستثناء الوقت) فمخ الإنسان قادر على استيعاب عشرة ملايين ملايين ملايين وحدة معلومات (تسمى بت).. بمعنى آخر يمكن لمخ الإنسان استيعاب الموسوعة البريطانية بأكملها دون أن يشغل سوى جزء يسير من قدراته. ولكن من جهة أخرى لا يستوعب المخ المعلومات إلا بنمط بطيء للغاية (بمعدل كلمة واحدة في الثانية). وهذا يعني أن الإنسان الذي يقرأ عشر ساعات في اليوم طوال سبعين عاماً لا يستوعب من الرقم السابق سوى 30ألف مليون وحدة فقط - هذا إذا افترضنا أصلاً قدرته على الاستمرار..

@ أضف لهذا هناك أكثر من (10.000) مجلة علمية تضاف سنوياً إلى رصيد الدوريات والإصدارات التي تخاطب المتخصصين فقط. ومعظم هذه الدوريات تقفل أبوابها قبل نهاية سنتها الأولى بسبب عجز المتخصصين عن متابعة جميع الأخبار.

وفي دراسة أجرتها مكتبة ألين الطبية في كليفلاند بأوهايو تبيّن أنه من بين 3.000مجلة علمية تضمها المكتبة لم تشمل طلبات الاطلاع إلا على 300مجلة فقط خلال العام، أما المجلات التي حظيت بطلبات متكررة فلم تتجاوز 120مجلة فقط. وفي دراسة مشابهة ذكرت مكتبة وودز في بلفاست أن أحداً على الإطلاق لم يطلع على نصف مجموعتها المكونة من 4765دورية متخصصة، في حين استحوذت 39دورية فقط على 80% من الطلبيات!!

@ ما أود الانتهاء إليه أن غزارة المعلومات هذه الأيام تحولت إلى مشكلة تتفاقم باستمرار (ويبدو هذا غريباً بعد أن قضت البشرية معظم عصورها في جهل وأمية وشح معلوماتي فاضح). فمعلوماتنا في هذا العصر تتضاعف كل ثلاثة أعوام. وبحلول عام 2010م ستتضاعف المعلومات على الانترنت 30مرة على الأقل. وحالياً يجب على المهندس والطبيب الذي يريد متابعة الجديد في تخصصه قراءة 2000صفحة في اليوم - في حين بالكاد يسمع الإنسان بكتاب واحد من عشرة آلاف كتاب تصدر في حياته!

.. ورغم أن هناك خبراء متخصصين في "مطاردة" المعلومات، ورغم أن الانترنت تتضمن محركات بحث ماهرة في اصطياد المعلومة؛ ولكن النتيجة النهائية لطوفان المعلومات الهائل أن المهندس يفشل في الإحاطة بالجديد في مجال عمله، والعالم يجتهد في بحث لا يعلم أنه موجود، والمخترع يكتشف أن اختراعه تكرر في أكثر من مكان، والمرضى يعانون من جهل الأطباء بأبحاث جديدة قد تنقذ حياتهم - وينسحب نفس الأمر على المهندسين والفنيين والصيادلة... والجميع!