الرئيسية > مقالات اليوم

الإرهاب.. محاولة للفهم


محمد محفوظ

فالخطوة الأولى في مشروع محاربة الإرهاب واجتثاث جذوره من مجتمعنا، يتطلب منا جميعا فهم هذه الظاهرة وتحليل وقائعها ومعطياتها وحقائقها، حتى يكون التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة على أسس علمية واجتماعية متينة.

في البدء من الضروري ان نوضح اننا لا نبرر الإرهاب، ونسوغه، وإنما نعتبره من الظواهر الشاذة والخطيرة ونرفضها جملة وتفصيلا.. وبالتالي فإن موقفنا الثابت والمبدئي هو رفض هذه الظاهرة، واعتبارها من الجرائم الكبرى التي تهدد حاضر ومستقبل أمتنا.

ولكن موقفنا المبدئي والثابت من هذه الظاهرة، لا يمنع ان نعمل على فهم هذه الظاهرة، مكوناتها، أسبابها، أهدافها. وذلك لأن الخطوة الأولى في مشروع مواجهة هذه الظاهرة، هي فهمها بشكل عميق حتى يتسنى لنا اختيار المشروع المناسب والملائم لمواجهتها ومقاومتها ومكافحتها.

فالإرهاب ظاهرة معقدة ومتشابكة، وتشترك جملة من العوامل والأسباب في بروزها في المحيط الاجتماعي. فيتداخل الشخصي والنفسي مع الثقافي والسياسي والاقتصادي، لتشكل هذه العناصر ظاهرة الإرهاب التي تتجه إلى نيل أهدافها بممارسة العنف والقتل أو حسم خلافاتها بإلغاء الآخر واقصائه من الوجود.. وعليه نرى ان من الخطأ التعامل مع هذه الظاهرة، باعتبارها ظاهرة بسيطة وسطحية.. وإنما هي ظاهرة مركبة ومعقدة، ومرتبطة بجذور عميقة اما بالنفس أو الواقع بكل مستوياته، وهما اللذان يمدان الظاهرة بأسباب الحياة والوجود.

وعليه فإننا لا يمكننا ان نحدد أسباب وعوامل نهائية لهذه الظاهرة الشاذة والخطيرة.. فالعوامل التي يشار إلى مسؤوليتها ودورها في بروز ظاهرة الإرهاب في مساحة اجتماعية معينة، قد تتوافر في مساحة اجتماعية أخرى ولكنها تبقى في منأى عن ممارسة العنف والإرهاب. وبالتالي فإن فهم ظاهرة الإرهاب في أي مجتمع، يتطلب فهم وإدراك الواقع الاجتماعي بكل روافده وتشعباته، حتى يتسنى لنا معرفة الآلية الحقيقية والواقعية التي تنتج هذه الظاهرة.

ولذلك نجد ان المجتمعات التي لا تعرف انقسامات عميقة في داخلها، ويكون فيها حد من المساواة والعدالة وتتسع فيه المشاركة في تقاسم الانتاج المادي وفي تقاسم السلطة والقرار وتعيش في بحبوحة اقتصادية أو في وضع اقتصادي مستقر، تكون من النماذج الاجتماعية التي من الصعوبة بمكان ان تبرز فيه ظاهرة العنف والارهاب بشكل حاد ومتواصل.

فالإرهاب كظاهرة مجتمعية، هي نتاج العوامل النفسية والاجتماعية والظروف السياسية والاقتصادية والثقافية.. وبالتالي فإن جميع هذه العوامل تشترك بشكل أو بآخر في إنتاج ظاهرة الإرهاب في الواقع الاجتماعي.. وعليه فإن أي معالجة جادة لهذه الظاهرة، تتطلب اصلاحا حقيقيا في جملة هذه العوامل والظروف التي تساهم في توليد هذه الظاهرة، ومدها بأسباب الحياة. من هنا فإن تأسيس حياة مجتمعية جديدة، وفق أسس ومبادىء تأخذ في اعتبارها خصوصياتنا الثقافية والاجتماعية، دون ان تنغلق على مكاسب ومنجزات العصر، هي الجواب والرد الاستراتيجي على ظاهرة الارهاب التي تستهدف المزيد من تمزيقنا وتجزئتنا، كما تحاول ادخالنا في نفق الحروب العبثية التي تدمر أسس استقرارنا ومبادىء حياتنا العامة.. فلكون الإرهاب ظاهرة مجتمعية مركبة، لذلك لن نتمكن من مواجهة مخاطر هذه الظاهرة، إلا بالمزيد من تعميق اسس العدالة والمساواة والمشاركة في فضائنا الاجتماعي.. فهي خيارنا الوحيد الذي يوفّر لنا امكانية القضاء على هذه الظاهرة وإنهاء عواملها وأسبابها الحقيقية من الواقع الاجتماعي.

ولندرك جميعا بعمق اننا لا يمكن ان نصل إلى أهدافنا بالعنف والإرهاب وممارسة القوة العارية تجاه بعضنا البعض.. إن هذه الممارسات تبعدنا عن أهدافنا وتدمّر مكتسبات حاضرنا وتبيد آفاق مستقبلنا. لذلك نحن أحوج ما نكون اليوم لممارسة القطيعة المعرفية والسياسية والعملية مع خيار الإرهاب والعنف واعتباره خياراً انتحارياً لا ينسجم ورؤية ديننا الحنيف إلى الحياة، كما انه يزيد من مشاكلنا واخفاقاتنا.. وهذا لا يعني بطبيعة الحال ان المجتمعات التي لا تبرز فيها ظاهرة الإرهاب انها مجتمعات ساكنة وراكدة وبعيدة عن عوامل العنف وأسبابه.. وإنما هي مجتمعات تمكنت عبر تطورها السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي ان تضبط حياتها العامة وتنظم اختلافاتها، وأوجدت لنفسها أطراً وأوعية لحسم خلافاتها بعيدا عن خيارات العنف والارهاب.

ولا نجانب الصواب حين القول: إن الكثير من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشهدها العديد من دول المجالين العربي والاسلامي، هي نتاج مباشر أو غير مباشر لتبني خيار العنف في معالجة أزمات الواقع ومشكلات المجتمع.

وفي سياق العمل على فهم هذه الظاهرة الشاذة من جميع جوانبها وأبعادها، نؤكد على النقاط التالية:

1- إن الإرهاب في أحد جوانبه ومستوياته، هو نتاج للهزيمة والانكسار النفسي أو الاقتصادي او السياسي.. حيث يندفع في بعض الحالات المنهزم في أحد هذه الجوانب إلى تبني خيارات عنفية وإرهابية لجبر هزيمته أو الانتقام من واقعه ومحيطه.. فحينما ينعزل الانسان عن واقعه، وتنتهي وتتلاشى كل الروابط التي تربطه مع واقعه ومجتمعه، حين ذاك تتوفر الإمكانية والجرأة النفسية والعملية للقيام بعمل عنفي تجاه من تسبب في عزلته واقصائه. لذلك فإننا نستطيع القول وعلى صعيد اجتماعي:إن ظاهرة الإرهاب في أحد مستوياتها، هي نتاج حالة الاخفاق الذاتي أو الموضوعي الذي يتجلى بشكل واضح في المستويين السياسي والاقتصادي.. هذا الاخفاق والذي يفسّر على أن هناك جهة في المجتمع أو السلطة تسببت به. لذلك فإن الانسان الذي يعيش الإخفاق والهزيمة ويفقد توازنه النفسي والعقلي والثقافي، يعمل على جبرهما من خلال الانتقام من واقعه ومحيطه. ووفق هذه الرؤية، تتأكد حاجتنا إلى إيجاد أنظمة حماية حقيقية لأبناء المجتمع على المستويات النفسية والاجتماعية والسياسية. حتى تقوم هذه الأنظمة باستيعاب المواطن وأخراجه من دائرة الغربة والاكتئاب أو حالة الشعور بضرورة الانتقام الأعمى من واقعه ومجتمعه.

كما ان التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية الصارخة، تفضي إلى نشوء نزعة استخدام القوة العارية لإنهاء هذا التفاوت الذي يزيد من بؤس البؤساء ومن غنى الأغنياء.. فالفوارق الطبقية والاجتماعية والسياسية الصارخة، تدفع المتضرر إلى تبني ثقافة تجيز لنفسه إنهاء هذه الفوارق بقوة العنف والإرهاب.. فالمسافة جد قصيرة بين الفقر المدقع وغياب حقوق الإنسان والنظم الشمولية التي تلغي دور الفرد على كل الصعد وبين العنف والارهاب.

2- بالرغم ان للإرهاب ظروفه الموضوعية وأسبابه السياسية والاقتصادية، إلا ان ثقافة الاقصاء والنبذ واحتكار الحقيقة ورفض الآخر ونفي حقوقه الخاصة والعامة، تشكل البيئة الثقافية الحاضنة لهذه الظروف والأسباب.. بمعنى ان الكثير من المجتمعات تتعرض لأوضاع وظروف سياسية واقتصادية صعبة، إلا ان قوى المجتمع قادر على ضبط الشارع وعدم انزلاقه لأعمال العنف والارهاب.. لذلك فإن البيئة الثقافية التي لا تحترم حقوق الإنسان، ولا تقبل بالاختلاف بكل مستوياته، وتتعامل مع تنوعات المجتمع على قاعدة إما مع أو ضد، هي التي تدفع الأمور والأوضاع إلى بروز ظاهرة العنف والارهاب.

من هنا فإننا لا يمكن ان نفهم ظاهرة الارهاب إلا بمعرفة جذورها وأبعادها وجوانبها الفكرية والثقافية. حيث ان هذه الأبعاد، هي التي توفِّر مسوغات ومبررات استخدام العنف والقوة المادية الغاشمة ضد المختلف والآخر. وعليه فإن مواجهة الإرهاب، بحاجة إلى جهد ثقافي حقيقي يتجه إلى صياغة العقل العام باتجاه ينسجم ومتطلبات حقوق الانسان وضرورات الحرية والكرامة.. فالاختلافات في الآراء والأفكار والعقائد، ليس مدعاة للفرقة والتشرذم وممارسة العنف والقمع والقتل، وإنما هي تؤكّد ضرورة التفاهم والتوافق وتنمية المشتركات وتثبيت المرجعية الوطنية التي ينبغي ان نعتبر كل هذه التنوعات والتعدديات روافد في إثراء الوطن على مختلف المستويات.

3- إن الإرهاب في أي مجتمع تجربة إنسانية، لا يبرز صدفة أو بشكل فجائي. وإنما هو يتراكم عبر أعمال ومقدمات ثقافية واجتماعية وسياسية، بحيث تصل عبر جدلها الداخلي ومماحكاتها مع الواقع والمحيط إلى ممارسة العنف والإرهاب بكل مستوياته وصوره. لذلك فإن فهم ظاهرة الإرهاب، يتطلب إدراك المقدمات والشروط المجتمعية التي تساهم في غرس بذور الإرهاب والتطرف في الواقع الاجتماعي.

حيث ان الإرهاب هو النتاج الأخير والمحصلة النهائية لجملة الشروط والمقدمات والبدايات الثقافية والاجتماعية التي توفر للإنسان المبررات الكاملة لممارسة العنف والإرهاب ضد أبناء مجتمعه ووطنه.

لذلك فإننا بحاجة إلى التعامل بعمق وجدية مع هذه الظاهرة، لاكتشاف جذورها وتحليل معطياتها وبلورة المشروع الوطني المتكامل والقادر على التعامل بوعي وحكمة ونضج مع هذه الظاهرة الشاذة.

فالخطوة الأولى في مشروع محاربة الإرهاب واجتثاث جذوره من مجتمعنا، يتطلب منا جميعا فهم هذه الظاهرة وتحليل وقائعها ومعطياتها وحقائقها، حتى يكون التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة على أسس علمية واجتماعية متينة.

وان فهم جذور ظاهرة الإرهاب وآليات عملها وتفكيرها، يوفر لنا على الصعيد الوطني القدرة على بلورة استراتيجية سليمة للتعامل مع هذه الظاهرة من مختلف المواقع والمؤسسات. وعليه فإن معالجة البذور الفكرية والثقافية الآحادية والعنيفة في قراءتها لأحوال الأمة وأوضاعها هي حجر الأساس في مشروع محاربة ظاهرة الإرهاب.. ولكون هذه الظاهرة تتغذى باستمرار من اخفاقات وفشل النخب في مشروعات التنمية والعزة والحرية والاستقلال، لذلك فإن الالتزام بمتطلبات الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي هو بوابتنا الكبرى لإنهاء هذه الظاهــرة مــن فضائــنا الوطني والاجتماعي.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة