OLD

حول العالم

تاريخ باركنسون

فهد عامر الاحمدي

    هل تذكر وجه "محمد علي كلاي"!؟

هل لاحظت كيف أصبح جامداً خالياً من التعابير!؟.. هل لاحظت كيف أصبح ثقيلاً بارداً كالصنم!؟ قبل فترة قابلت جاراً قديماً أصبح يملك وجهاً مماثلاً.. وجهاً يميز المصابين بمرض باركنسون أو الشلل الرعاشي.

ومرض الباركنسون يظهر بسبب فقد مادة الـ (دوبامين) في دماغ الإنسان. ويبدأ بالظهور في متوسط العمر كرعشة بسيطة في إحدى اليدين حتى تعم الجسد كله. ومن أهم أعراضه أن وجه المريض يصبح جامداً بلا تعابير ويظل كذلك حتى يتوفاه الله!

ويعود اكتشاف المرض إلى عام 1817حين لاحظ الدكتور جيمس باركنسون أن هناك حالة عصبية غريبة تنتاب بعض مرضاه. وبفضل جهوده في دراسة ومتابعة المرض سمي باسمه (!) وبعد مائة وخمسين عاماً بدا أن أول علاج ناجح في طريقه للظهور على يد دكتور يدعى هورنيكوز. فقد لاحظ هورنيكوز أن مادة الدوبامين تنعدم تقريباً في أدمغة المتوفين بداء الباركنسون. وعلى ضوء هذا الاكتشاف حاول حقن هذه المادة في أدمغة المرضى ولكنه فشل. ثم اكتشف باحث يدعى كوتزيار عقاراً (دعي L-DUPA) حقق في البداية نتائج إيجابية وسريعة، ولكن اتضح لاحقاً أن الآثار الجانبية لهذا العقار أسوأ من المرض نفسه - حيث انتهى بعض المرضى إلى مرحلة تجمد العضلات بصورة نهائية!

وفي الستينات سافر العديد من العلماء إلى جزر الباسفيك للبحث عن أسباب إصابة السكان بالمرض أكثر من غيرهم. وفي النهاية اتضح أن غذاءهم يشمل نوعاً من الحبوب البرية تضم مادة تدعى (L-BMAA) تفتك بالخلايا التي تنتج الدوبامين في الدماغ.

* ومن المصادفات الغريبة في تاريخ المرض أن أحد الصيادلة حضّر (في عام 1982) نوعاً من الهيروين الصناعي وبدأ يبيعه سراً في الشوارع. ولم تنتبه إليه الشرطة إلا بعد أن أُصيب بعض المدمنين بالشلل الرعاشي وتجمد الملامح. ورغم انتحار الصيدلي قبل القبض عليه إلا أن البقايا المكتشفة في مختبره أثبتت أن هناك مادة أخرى إضافية تدعى (MPTP) لها دور في ظهور المرض. والخطير أن هذه المادة تدخل في صناعة المبيدات الحشرية وبعض المنظفات الكيميائية.. وبالفعل أثبتت الإحصائيات أن عمال مصانع المبيدات والمزارعين هم أكثر الفئات إصابة بمرض الباركنسون بحكم طبيعة عملهم.

على أي حال في عام 1978تمكن جراح مكسيكي يدعى مادلجو من تحقيق إنجاز عجز عنه أطباء الدول المتقدمة. فقد نجح في استئصال خلايا منتجة للدوبامين (من الغدد الكظرية) وزرعها في أدمغة المرضى. ورغم نجاح الجراحة في المكسيك إلا أن العلماء في أمريكا وفرنسا فشلوا في الحصول على نتائج مماثلة - رغم أنها أجريت بنجاح على "محمد علي كلاي" قبل أن تسوء حالته مجدداً!!

وبعد التجربة المكسيكية نجح جراح سويدي يدعى أوول لندفال في علاج المرض عن طريق حقن خلايا مستأصلة من أنسجة أجنة بشرية في أدمغة المصابين. ورغم نجاح هذه التقنية إلا أنها مُنعت لاحقاً في معظم الدول بسبب المتاجرة بالأجنة المجهضة!!

واليوم وصل الأطباء إلى مرحلة محيرة فعلاً.. فالباركنسون من أكثر الأمراض فهماً ووضوحاً، ومع ذلك لم تنجح أي محاولة - بشكل كامل - لزرع أو إعادة إفراز تلك المادة في الدماغ!!