• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 14689 أيام

المقال

قصة قانون

د.عبد الله بن سعد الرواف

    في بداية القرن السابع عشر الميلادي لم يكن واضحاً أي منحى سوف تسلك أوروبا. هل سيكون للنفحات العلمية المنتشرة هنا وهناك والمقتصرة في أغلبها على أناس قلائل ان تتطور ويكون لها زخم كافٍ للقضاء على الجهل وإرساء قواعد العلم والمعرفة. أم هل ستعود أوروبا الى نوع من الفوضى مثل ما حصل في مناطق اخرى من العالم في مثل ذلك الوقت مثل الهند مثلاً. أوروبا في نهاية القرن السادس عشر كانت تعيش حروباً مدمرة وكان الفقر والجهل والتعصب الديني لا يزال يخيم على غالبية سكانها. الاعتقاد بالسحر والشعوذة كان منتشرين بشكل واسع. في سنة 1692م مثلاً اعدم في ولاية ماساشوستس الأمريكية (والتي كانت جزءاً من الدولة البريطانية) حوالي عشرين من بين رجلاً وامرأة من المتعاطين بالسحر. الكنيسة في ذلك الوقت لا زالت في أوج تسلطها والنقاشات الفكرية والاجتماعية والتي كانت محدودة كانت في غالبيتها لا تتعدى ترديد مفاهيم ومبادئ قديمة يحرص طارحوها ان لا تغضب أباطرة الكنائس. في مثل هذه البيئة ولد هذا القانون - قانون الجاذبية - وقصته هي من القصص العلمية المشرقة في التاريخ البشري. لقد اهتم الانسان منذ القدم بحركة الكواكب والاجرام السماوية ووضع اليونانيون بعض القواعد الرياضية والمبادئ في هذا الموضوع. كما اسهم العرب بكثير من البيانات والملاحظات. كان هناك جدل ما اذا كانت الكواكب مع الشمس تدور حول الأرض أم ان الارض مع الكواكب تدور حول الشمس. ومع ان بعضاً من المفكرين اعتقدوا بأن الارض مع الكواكب هي التي تدور حول الشمس. إلا ان هذه الفكرة لم تطرح بشكل قوي وواضح إلا عندما كتب كوبرنيكس كتابه "دورات المدارات السماوية" في سنة 1543م. غير ان كوبرينكس لم يناقش بالضبط كيف تتحرك الكواكب ولا ماهي سرعتها ولا عن الاختلاف في دورتها واسئلة اخرى انشغل بها الناس بعده. وبعد فترة من موت كوبرنيكس عاد الجدل مرة اخرى حول من يدور حول من؟. في هذه الاثناء اتى شخص ثري من الدنمارك يسمى تايكوبرا (Tycho Brah). وهنا تبدأ قصة القانون. أعتقد تايكوبرا بأنه لكي يمكن التمييز بين الافكار والنظريات المختلفة فإنه ربما يكون من الافضل جمع بيانات عن الكواكب ومتابعة سيرها بشكل دقيق - وهذا هو مفتاح الطريقة العلمية وبداية الفهم الصحيح للطبيعة، لهذا الغرض قام تايكوبرا بشراء جزيرة بالقرب من كوبنهاجن وشيد في هذه الجزيرة أماكن للمراقبة وبدأ بتسجيل أماكن وحركة الكواكب ليلة بعد ليلة وجمع بيانات كبيرة وقام بمجهود شاق امتد سنوات. هذه البيانات عندما دقق فيها مساعده يوحنا كبلر - ولانه من الصعب حفظها لكثرتها حاول ان يجد نظاماً معيناً. وبعد كثير من المحاولات والتي كذلك امتدت لعدة سنوات وجد انه يمكن لهذا الكم من البيانات ان يلخص بثلاثة قوانين تعرف الآن بقوانين كبلر والتي تقول بأن كل كوكب يتحرك في مدار بيضاوي مع كون الشمس في المركز، وان نصف القطر للكوكب يغطي مساحات متساوية في ازمنة متساوية وان مربع فترة دورة الكوكب حول الشمس تناسب مع مكعب المحور الاساسي للمدار. بقي السؤال اذاً ما الذي يجعل الكواكب تتحرك حول الشمس. لقد درس جاليلو حركة الاشياء العادية حول الارض وأجرى عدداً من التجارب مثل كيف تتدحرج كرة على مستوى مائل وكيف يتذبذب البندول وغير ذلك من التجارب. من هذه الدراسات اكتشف جاليلو مبدأ عظيما يسمى بمبدأ القصور وهو يقول بأنه: "اذا كان لدينا جسم ما لا يؤثر عليه شيء وهو يسير بسرعة معينة في خط مستقيم فإنه سيستمر بهذه السرعة في نفس الخط المستقيم الى الابد.

الآن نيوتن سأل السؤال عندما لا يتحرك الجسم في خط مستقيم فماذا؟ واجاب بهذه الطريقة: فإنه لابد من وجود قوة لتغيير سرعته بأي طريقة سواء في المقدار او الاتجاه. لو انك تدفع بكرة في نفس الاتجاه الذي تتحرك فيه الكرة فإنها سوف تسرع. لو وجدتها تغير اتجاهها فإن القوة لابد ان تكون جانبية. تقاس القوة بأنها حاصل ضرب معدل تغير السرعة في معامل القصور المسمى بالكتلة. لو كان لديك حجرة مربوطة في نهاية خيط وتقوم بلفها في دائرة فسوف تجد انه من الضروري الاستمرار باعطائها قوة جذب لا لتغيير سرعتها ولكن لتغيير اتجاهها. لقد رأى نيوتن ان الكوكب يحتاج الى قوة لكي يتحرك جهة الشمس. وهو في حركته هذه كما لو كان في حالة سقوط عن الخط المستقيم الذي سوف يتحرك فيه لو لم يكن هناك قوة تؤثر عليه. ومن ثم استطاع نيوتن ان يوضح بأن قانون كبلر الذي يقول بأن الكوكب يغطي مساحات متساوية في ازمنة متساوية هي نتيجة مباشرة لكون التغيرات في السرعة هي موجهة جهة الشمس. ومن معرفة كيف تختلف دورات الكواكب المختلفة تبعاً لبعدها عن الشمس، فإنه بالامكان معرفة كيف يجب ان تضعف القوة مع المسافة. ومن ثم بين نيوتن بأن القوة يجب ان تتناسب عكسياً مع مربع المسافة. حتى الآن لم يضف نيوتن أي شيء على ما قاله كبلر فقط صاغه بطريقة اخرى. الآن عند مراقبة الكواكب رأى الناس قمر المشتري وهو يدور حول المشتري وكذلك القمر في دورانه حول الارض كما لو انها نظام شمسي صغير. كذلك جذب الارض للاشياء هي ظاهرة معروفة. في الواقع سبق وان حسب جاليلو المسافة التي تقطعها الاشياء في سقوطها حول الارض ووجد انها تقطع مسافة ستة عشر قدماً في الثانية الواحدة عند سقوطها. الآن فكر نيوتن بأنه ربما تكون الجاذبية التي تبقي القمر في مداره هي نفسها الجاذبية التي تسحب الاشياء جهة الارض. ولكي يتأكد من ذلك قام نيوتن بحسابات بسيطة. فالقمر يأخذ شهراً ليكمل دورة حول الارض. من ثم حسب المسافة التي يقطعها في الثانية الواحدة، ومن ذلك عرف كم تسقط دائرة القمر تحت الخط المستقيم الذي سوف يسلكه لولا جذب الارض له. هذه المسافة وجدها نيوتن مساوية تقريباً لواحد على تسعة عشر من الانش. ولكن مسافة القمر عن مركز الارض تساوي ستين ضعف بعدنا عن مركز الارض. لذا فإنه اذا كان قانون التربيع العكسي صحيحاً وينطبق في الحالتين. فإن الاشياء حول سطح الارض يجب ان تسقط واحداً على تسعة عشر من الانش مضروباً في ستين تربيعاً او حوالي ستة عشر قدماً في الثانية الواحدة وهو ما وجده جاليلو سابقاً .وهذا اكتشاف كبير. أي أن القوة التي تؤثر على القمر في مداره هي نفسها التي تؤثر على الاشياء حول سطح الارض. من هنا لم يكن صعباً على نيوتن ان يعمم قانونه ليشمل كل شيء. وبذلك صاغ قانونه الشهير والذي يقول ان أي جسمين يؤثران بقوة على بعضهما وان هذه القوة تتناسب عكسياً مع مربع المسافة بينهما وطردياً مع حاصل ضرب كتلتيهما مضروباً بثابت.

هذا القانون نشره نيوتن في سنة 1687م في كتابه الشهير "مبادئ الرياضيات للفلسفة الطبيعية". هذا الكتاب يعد بحق بداية العلم الحديث. لقد استطاع نيوتن بقانونه هذا ان يتنبأ ويفسر اشياء كثيرة مثل ظاهرة المد والجزر ولماذا يجب ان يكون المدار بيضاوياً وغير ذلك من الظواهر الطبيعية. كذلك قام آخرون عند تطبيقهم لقوانين نيوتن باكتشافات اخرى امتدت لفترة طويلة. فمثلاً قام العالمان آدمز (Adams) ولافرير (Leverrier) عند ملاحظتهما للاختلاف في حركة الكوكب اورانوس والذي لم يتبع قانون نيوتن بالشكل الصحيح بالتنبأ بوجود كوكب آخر. وبالفعل رصد هذا الكوكب وسمى نبتون. وهناك اكتشافات وتفسيرات كثيرة لا يتسع المجال لسردها هنا.

القرن التاسع عشر يسمى بقرن العبقرية. تأثير العلم الطبيعي كما طرحه جاليلو ونيوتن ونجاح الرياضيات في نمذجة قوانينه انعكست على جميع انواع المعرفة وانتشرت الثقافة العلمية بشكل كبير واصبحت الطريقة والاستقصاء العلمي مطلب جميع الباحثين في شتى فروع المعرفة من قانون وتاريخ وجغرافيا وسياسة. ففي القانون مثلاً نجد ان القانون الانكليزي للدليل بدأ يأخذ شكله الحديث في نهاية القرن السابع عشر. قبل ذلك كان كلما زادت شناعة ووحشية الجريمة كلما أسرع في أخذ الحكم. وفي السياسة نجد المفكر والسياسي الانكليزي هبز (Hobbes) والذي كان اكثر من هاوي للاكتشافات العلمية والرياضية في وقته كيف كان متأثراً بالطريقة العلمية فن كتابة ليفيتان (Leviathan) والذي كتبه بعد سنتين من اعدام الملك شارلز الاول استخدم الاستنباط والاسلوب العلمي ليبرر مناصرته للحكم المطلق على البرلمان. حيث كان متأثراً بما حصل في الحرب الاهلية والعنف في انجلترا في الاربعينيات من القرن السابع عشر وعدم الاستقرار في الجمهورية الانكليزية التي تلت ذلك. فبدأ نقاشه بفرضية تمثل فلسفته عن طبيعة الحياة البشرية حيث قال جملته المشهورة بأنها "وحدانية، زهيدة، وحشية، شريرة، وقصيرة". لذا فإنه للحصول على النظام والتمتع بالقانون والحقوق فإن الانسان يعمل عقداً بينه وبين الحاكم يتنازل فيه عن حرية تصرفه بالمقابل يقوم الحاكم بالمحافظة على النظام ومنع الفوضى وعمل الصالح العام.

على النقيض نجد جان لوك والذي كان كذلك على درجة كبيرة من المعرفة بالاكتشافات والافكار العلمية في وقته على عكس هبز كان مع البرلمان ضد الملك. فبعد الثورة البرلمانية في سنة 1688م والذي أعيد فيها وليام الثالث الى العرش الانكليزي نشر Teatises of goverment حيث برر وبأسلوب علمي هذه الثورة البرلمانية. انطلق في اطروحاته من نظرة اكثر تفاؤلاً عن الطبيعة البشرية. فالحكومة في نظره توجد حسب عقد ولكن العقد ليس بدون شروط. والانسان قادر على التعلم والنضوج. تأثير لوك كان واضحاً على الاشخاص الذين اعدوا وثيقة الاستقلال والدستور الأمريكي. حتى ان بعض الجمل والمقاطع في وثيقة الاستقلال الأمريكية تظهر كما لو انها نقل حرفي من كتابات لوك. لا نريد ان نخرج هنا عن موضوع المقالة ولكن المقصود هو ان الاسلوب والطريقة العلمية التي طرحها نيوتن ورفاقه كان لها تأثير ليس فقط على التطبيقات العملية ولكن تأثيرها شمل جميع جوانب الفكر الانساني. لذا لم يكن من المستغرب ان يسمى القرن الثامن عشر - والمسمى عادة بقرن التنوير - ان يسمى احياناً بقرن نيوتن.

أخيراً لابد من معرفة انه في القرن العشرين ولكي يجمع انيشتين بين النظرية النسبية الخاصة وقانون الجاذبية اضطر الى وضع ما يسمى بالنظرية النسبية العامة والتي تستبدل قانون نيوتن خاصة عندما تكون الكثافة عالية مثل ما يحصل فيما يطلق عليها بالثقوب السوداء. كذلك تعرف المادة في النطاق الصغير تتبع ما يسمى بميكانيكا الكم وشكل الجاذبية في هذا النطاق هو مسألة تحت البحث.. ولكن الى حديث آخر.. والله الموفق.

قسم الفيزياء - جامعة الملك سعود


قيّم هذا الموضوع
 




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (257) ثم الرسالة

إعلانات خيرية