الرئيسية > مقالات اليوم

نبض الكلمة

حتى لا نهيل التراب على لغتنا


شريفة الشملان

عندما اقتربت الصغيرة من أمها، نظرت الأم للحذاء الذي قد امتلأ من طين الحديقة، وبختها قائلة: كذا تخربي (شوزك!.) قالت الصغيرة أن عليا هو من خرب (شوزها).

جلست في مكان جميل على شاطئ البحر، وشاطئ البحر الآن ما عاد شاطئاً، لقد امتلأ بنايات شاهقة بعضها ومتوسطة عدا المشاريع الاستثمارية التي تمتد لتلتقم البحر كله. المهم في أحد هذه المشاريع التي تتيح لروادها التمتع بالشاطئ، لابد أن يصل أصداء المناقشات من على الطاولات القريبة للسمع. كان الكلام الذي يصلني من فتيات بعمر الزهور باللغة الإنكليزية. عندما عدت بالطريق كانت قريبتاي اللتان ترافقانني وتدرسان العلوم الطبية تتكلمان عن دروسهما باللغة الإنكليزية.

وصلت فتحت التلفزيون على قنوات عربية، تخلط المذيعات كلمة عربية بكلمة إنكليزية وأخرى فرنسية.

عندما أردت شراء حاجيات البيت من السوق المركزي على أن أسأل الهندي عامل السوق باللغة الإنكليزية.

كانت اللغة الإنكليزية تحاصرني وتخنقني وتعلق أمي على حبل المشنقة.

اللغة الحية تتجدد، تخرج منها كل عام مصطلحات جديدة ومشتقات جديدة تؤكد على حيويتها، مثل الكائن الحي الذي يتوالد ويتكاثر، ويتفرع، لكن يبقى الجذر واحداً..

قديما كان الطفل عندما يولد يبعث للبادية ليقوم لسانه، ولا يتحدث حديثا فيه لحن، فكان عيب كبير أن يلحن العربي. الآن ضاعت اللغة بهؤلاء الأطفال الذين ما أن يولدون إلا ويسلمون لمربيات يكسرن معهم الحروف ويغيرن الكلمات، فلا يتكلمن اللغة العربية سليمة ولا اللغة الإنكليزية، ومن هنا يضيع الطفل بين لغتين، فينتج عقله لغة متذبذبة، والأدهى والأمر أن الأمهات لا يصلحن ما كسر إنما يعمقنه.

ما أن تدخل فندقاً أو مستشفى أو مطعماً إلا وتحاصرك اللغة الأجنبية، وجرب أن تطلب رقما لخطوط، أو فندقا بالهاتف سيرد عليك موظف الاستعلامات باللغة الإنكليزية.

حتى عندما تكون مريضا ويجتمع شمل الأطباء جنب سريرك، ستجدهم يتحدثون عن هذا المسجى أمامهم باللغة الإنكليزية.

عندما يدرس الطالب العلوم بمختلف أنواعها، يدرسها باللغة الإنكليزية، مما ترهقه، دراسة وفهما، ويضيع على الجامعة وعلى الدولة وقتا كبيرا في الدراسة، ناهيك عن تغير المعنى كله بتغير حرف يتشابه لفظه لدى الطالب مع آخر مما يغير في نتيجة الطالب ويكون بدلا من ناجح إلى راسب، لكن لو كان يدرسها بلغته الأم لما حدث ذلك ولا يمكن أن نكون متخلفين لو درسنا بلغتنا وترجمنا المعارف والعلوم أولا بأول من لغاتها للغتنا ففي كل عام يتقاعد عدد كبير من الأخصائيين في مختلف العلوم، من الهندسة والعلوم الرياضية والطب والصيدلة وعلوم الأرض، هؤلاء ممكن أن يكونوا نواة جيدة لمستقبل علمي بلغة العرب، فهذه اليابان تدرس كل المعارف علميها وأدبيها بلغتها، والصين وحتى إسرائيل هذه الدولة التي تتمدد على ظهرانينا تدرس في جامعاتها كل العلوم باللغة العبرية، تلك اللغة التي كانت ميتة فأحيوها بالتداول والتدارس، نفضوا الغبار عن الالواح وراحوا يستنبطون منها ويولدونها، ونحن نهيل التراب والطين على لغتنا، بل ونشعر بتميز وربما بفخر إن طعمنا كلامنا ببعض كلمات أجنبية، وكأن لغتنا بلا طعم ولا رائحة وتحتاج لبهارات من لغات أخرى تجعلها مقبولة.

نحن لازلنا ننتشي ونحن نقرأ الأشعار، ونتمنى أن يصل هذا الإحساس لأحفادنا، ولكي يصلهم هذا الإحساس لابد من العودة للغة الأم قبل أن يغطيها الغبار، ونحفر قبر أمنا بأيدينا.

لازلت أتذكر درس ولادة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، كيف حمله جده عبدالمطلب إلى البادية وتربى هناك لينشأ سليم اللسان، فما بالنا نبحث عمن يكسر ألسنة أبنائنا.

بكل تأكيد نحن مع تعلم اللغات ومع الامتزاج الحضاري بخلق الله وضد التخلف عن ركب الحضارة، لكننا مع لغتنا، لم تغب اليابان عن ركب الحضارة ولا ألمانيا ولا كم كبير من بلدان العالم. ومع أن يعطى للطالب لغة أخرى مع لغته القومية، وبالأخص اللغة اللاتينية فحتى لا نهيل التراب أكثر على لغتنا الأم ليتنا ننتبه.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    قبل سنوات كانت اللغة الإنجليزية مقيتة لكثير منا. كنا ندرسها على مضض ولو أعطينا الخيار لما درسناها أبدا. ولم نكن نتعلم منها إلا بالقدر الذي يسمح لنا بالنجاح أو الحصول على العلامة التي نطمح لها.

    وكنا نسخر من أؤلائك الذين يضعون كلمات إنجليزية بين كلماتهم العربية وننعتهم بما يحلو لنا من صفات.

    اليوم انقلب الوضع تماما. صار تعلم الإنجليزية ليس بهدف الإستفادة منها بل لهدف المباهاة ولإظهار التمدن أمام الآخرين. هي بالطبع عقدة نقص. إذ لا يهتم بالقشور على حساب اللب إلا شخص لديه عقدة نقص يحاول أن يداريها ببعض الطلاء.

    أنا لست ضد تعلم الإنجليزية. بل أشجع عليها فهي لغة العصر ولغة العلوم. بل وأجد أن بعض العلوم سهلة التعلم بالإنجليزية أكثر من العربية وجربت ذلك بنفسي. وهذا ليس انتقاصا للغة العربية فالعيب في من ترجم لا في اللغة نفسها. لكن أنا ضد أن نستخدم الإنجليزية في حديثنا على حساب لغتنا العربية التي شرفها الله سبحانه وتعالى.

    تحياتي
    محمد

    محمد ح. اسماعيل - زائر

    10:12 مساءً 2003/07/03


  • 2
    السلام
    الأخت شريفة..
    اننا في عصر اللغات واعتقد أننا يجب أن نعرف أحداث العالم كما، فالأغلبية تسافر وتعمل وأنا لاأقصد إلغاء العربية بل هي لغتنا الروحيةولكن حتى القرآن يترجم للغات فليس من الواقع أن لا نستمد العلوم الأنجليزية وهي تحمل العديد من المواضيع وماذا عن الترجمة الفورية وعلم اللغات بل أتمنى أن تدخل الينا لغات أخرى في المجال التعليمي ولكن يجب أن تكثف اللغة العربية بمادة خاصة بالقاموس الأدبي والعلمي.. وتزود الطلاب القرآن بطريقة مرنة حتى ترسخ مع الأجيال ثم نطالب الغرب أن يتحدثون العربية
    وكل ما أشرت إليه قد يتعلق أولا بالتكنلوجيا ثم السعودة
    والثقافة الفكرية بكل المجالات
    أتمنى للأمة العربية أن تتقدم بالفكر والثقافة بأصولهاالجذرية وهذا ينبع من الغذاء الديني الروحي( والوطني) منذ الطفولةلتغرس فيهم الوعي العلمي وليس العلم من أجل الشهادة
    وشكرا لك
    .....................................

    سارة خالد - زائر

    12:58 صباحاً 2003/07/06


  • 3
    كثير من البلاد العربية تستعمل اللغة العربية في الجامعات و قرأت مقالا عن ذلك و سئل بروفيسور فرنسي يدرس طب الاسنان في مستوى الدراسات العليا عن افضل الطلاب الاجانب مستوى عند قبولهم في برنامجه فقال لهم ان الطلاب السوريون هم الافضل لانهم يتعلمون بلغتهم الام و يظهرون فهما لما تعلموه في المرحلة الجامعية الاولى في بلادهم بينما بقية الطلاب الذين درسوا بلغات غربية غالبا ما يكون فهمهم محدودا بسبب ضياع جزء كبير من الجهد على اللغة التي ليست هي لغتهم الام

    تامر غزال - زائر

    07:01 صباحاً 2003/07/06



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة