سلوا قلبي غداة سلا وتابا
لعل على الجمال له عتابا
ويسأل في الحوادث ذو صوابٍ
فهل ترك الجمال له صوابا؟
وكنت إذا سألت القلب يوماً
تولى الدمع عن عيني الجوابا
والدمع هنا ليس البكاء وإنما الحسرة، فذو القلب المصاب وإن حاول، في الكهولة، أن يجد عن الجمال بديلاً، يبقى، حسب رأي عمر بن أبي ربيعة، مشوقاً حين يلقى، في ضرم الشوق، هذا أو ذاك من العاشقين، يتحدث عن لاعجة الجوى، أو كما قال قيس بن الرقيّات، ينأى عن موطنه، كي ينسى المرأة التي في موطنه، فما أن تهب الريح من نجدٍ، حاملة شذى نجد، حتى يحن، في أساه، إلى نجد كرة أخرى، ما دام البعد الذي تداوى به، لم يشف الذي به، وأن قرب الدار، ولو على مضض، خير من البعد، وأن التي يسعى إلى نسيانها، تبقى حاضرة في نسيانها، ولا سبيل إلى هذا النسيان إلا بها، لذلك يدعوها قائلاً: "تعالي إلي، كي أراك، وكي أنساكِ فيك!" كما كتب أحد الأدباء الفرنسيين إلى حبيبته، وكان متيماً بها، مما يجعل التشابه في العشق، وفي محاولة نسيان هذا العشق، قاسماً مشتركاً بين المحبين في الشرق والغرب على السواء.
بالنسبة لي، وأنا في العشرين من عمري، كنت مشغولاً بالرغيف عن الحب، عندما كنت حلاقاً في مدينة اللاذقية، وقد خيّل إلي، في ذلك العمر، أن فتاة من الجيران تحبني، فلما صادفتها، ذات يوم في الطريق، حييتها، فردت التحية بأسوأ منها، وبكلمة نابية، وبعد خمسين عاماً، وكنت قد صرت كاتباً معروفاً، حاول أحدنا لقاء الآخر، وقبل ساعة من الموعد المحدد للقاء، قررت إلغاء اللقاء، كي تبقى صورة كل منا، في عهد الشباب، هي الحاضرة في الذهن!
ولقد كتبت، وأنا على مشارف الثمانين، رسالة مني إلي، جعلت فحواها، كما عنوانها، ينطوي على غرابة شديدة، قلت فيها: "هذه رسالة إلى نصف مجنون، نصف عاقل، اسمه حنا مينه، وهو يحب نصفه المجنون أكثر، لا يدري لماذا، ولعل العقل الذي هو آفة الوطن، والعقلاء جداً، الذين أساءوا أكثير من المجانين، هم الذين، برصانتهم الكاذبة، نشروا هذه الآفة، ومثّلوا أدواراً خائبة، لتنسرح الخيبة، بعد ذلك، وتنتشر كالطاعون.
"إنني أكرهك أيها الروائي المغامر، الذي بلغ، تلبية لنداء المغامرة، أقصى أطراف الأرض، فمن طوكيو إلى مكسيكو، ومن بكين إلى نيويورك، ومن موسكو إلى باريس، ومن بودابست إلى لندن، ومن بحر اللاذقية، إلى بحر الظلمات، على الحد الفاصل بين المتوسط والأطلسي، ومن طنجة إلى دبي، دون أن تتوقف عن الترحال، ودون أن تكف عن السعي لاكتشاف المجهول، في الغابات، والجبال، والصحارى، وفي القيظ القاتل، والثلج العاصف، حيث كنت، في محاولة التقدم إلى أمام، والذئاب الجائعة من ورائك تعوي، تتكئ على كتف امرأة بلغارية، في جبل فيتوشا المطل على صوفيا، قائلاً لها بصدق: "دعيني، يا، بورانا، إلى قدري، إلى موتي في العاصفة الثلجية التي تغمرني، أكثر فأكثر، كلما سالت، وتجزأت، كتلة الزمن!" فأجابتك، دون أن تعرف أنها تحبك، أو تشفق عليك: "تعال إلي، أيها المتعب، وأنا أريحك، ضع يدك على كتفي، وانقل خطاك بحذر، حتى نخرج من العاصفة الثلجية، أو نسبق ريحها، قبل أن تدركنا الذئاب الجائعة، التي يشتد عواؤها من حولنا"، فما كان منك إلا الطاعة، وإلا الانقياد إلى انثى، أنت الذكر، الذي أنكرت فضلها عليك قبل صياح الديك!
"لذلك أكرهك، أيها المأفون" جداً، وبسبب هذا الكره، أرفض، إلا مرغماً، أن أرى وجهك في المرآة أو التلفاز، لكنك، في العشرين من عمرك، يوم كنت حمالاً في المرفأ، وبحاراً متطوعاً في الجيش، وحلاقاً في دكان فقير، ثم صحفياً، وكاتباً، لم يكن حب المغامرة قد فارقك، لا في البر ولا في البحر، وبدفع من هذا الحب كدت، في جنون العاصفة، تصبح فريسة لأسماك القرش، في مصيف بيتاخو على شاطئ الباسفيكي.
عنيد أنت، وعِنءدُك عِنءدُ بغل تركماني، وشكيبة الراعية، التي حوّلت زكريا المرسنلي من وحش إلى إنسان، كانت تركمانية أيضاً، وأنت، الذي كتبت رواية "الياطر"، جعلت زكريا المرسنلي يغتصبها مرتين: الأولى في الغابة، والثانية على الشاطئ، في ضوء القمر، وهكذا أثرت شهية قرائك، دون أن تكتب الجزء الثاني، الذي انتظره القراء ثلاثين عاماً، ارضاء لجنونك ليس إلا!
"أنت، الآن، كاتب شهير، والشهرة جهنم كما تقول، لكنك في العشرين من عمرك، يوك كنت حلاقاً بائساً، كان تغيير العالم حلماً يملك عليك كل حواسك، ولارضاء هذه الحواس، كتبت، أول ما كتبت، مسرحية أن بطلها، وهذا البطل المتخيل يغير العالم في ستة أيام، وفي اليوم السابع يستريح، وقد ضاعت هذه المسرحية من حسن الحظ، ومن بعدها خفت، حتى الآن، أن تكتب أيما مسرحية!
"لقد كنت، أيها الشقي، تُسرّ بالشقاء، والشيطان وحده يعرف لماذا، ففي العشرين من عمرك، وأنت حلاق، وخرّيج سجون بامتياز أيام الانتداب الفرنسي على سورية، وفي زمن الاقطاع بعد الاستقلال كنت جاهلاً، وفي السجون تعلمت بعض الأشياء النافعة، ومنها حب المطالعة، وتقدير الثقافة، واحترام المثقفين، وتقدير المرأة، ومعرفة أنها نصف المجتمع المشلول، وأنها جديرة بأن تُحب، وأن تُكرّم، وأن تتعلم، وتعمل، وبذلك يكون تحررها الاقتصادي، وهو المبتدأ في مسيرتها، تحرراً عادلاً ومحتشماً.
"إن الحجر الذي رفضه البنّاؤون سيصير، في ضربة حظ، رأس الزاوية، لكن ليس قبل دفع الثمن الباهظ، من جدك، والاجتهاد، وسهر الليالي، وفي بحثك عن الأمل، تعلمت أن تحلم، وأن تدفن اختراع الأحلام، حتى لا تسقط في العدم، وعرفت أن الحظ، الذي تزعم أنه حليفك، قد كان، وأنت حلاق، في مطاوي الغيب، لكنه، بعد مسيرة طويلة، وأتي، وأنت، بغير قليل من الغرور، تفخر بذلك، وتتساءل: "لماذا لم يدخل الفلاسفة الحظ في فلسفتهم؟"
الجمال الذي هو أنق في الكلمة، وفي الوجه، وفي الابتسامة، وفي القد الفارع، على ضمور في الخصر، هو الذي بات، الآن، يؤرقك، وأنت في أرذل العمر، إلا أن الشهرة تغطي العيوب، وشهرتك، حتى الموهومة منها، تغطّي عيوبك، تجعلك على مقربة من الجمال، وتجعل الجمال غير بعيد منك، إلا أنك، في زعم الزعم، ترفض الجمال الذي بكاه أمير الشعراء أحمد شوقي، فنظار تبكيه، أنت أيضا، "يا جاحد التفاح في وجناتها" قولة بدوي الجبل، في ألفية أبي العلاء المعري.
إن نكران التفاح، في وجنات الغيد، من النساء، نكران للنعمة التي تجود بها السماء، مرة في الألف من الأعوام، وقد انكر المعري هذا التفاح، فخاطبه الشاعر بقوله:
يا ناكر التفاح في وجناتها
لو ذقت بعض شمائل التفاح!
يسأل يا ترى هل أنكر المعري فعلاً، التفاح في وجنات النساء، على مدى عمره؟ إنه سؤال