قالت أمريكا إن هدفها الأول في عدوانها على العراق هو "تحرير الشعب العراقي وإقامة نظام ديمقراطي فيه". وجاء هذا الهدف ليحل محل شعارها المشهور "نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية" على الرغم من أن الإدارة الأمريكية لا زالت تستعمل هذا الاصطلاح، وتأمل في العثور على هذه الأسلحة.
ولكن المتابع للأمور، يشاهد كيف تقوم قوات الاحتلال الأمريكية في محاولات مكثفة ل "تفصيل عباءة وثوب" هذا النظام الديمقراطي. فالنظام المطلوب، حسب ما يستشف من تصريحات المسؤولين الأمريكيين يجب أن يكون مؤيداً لأمريكا، ويتماشى مع متطلبات المصالح الأمريكية، ويجب أن لا يكون قومياً عربياً، ولا دينياً إسلامياً، ولا طائفياً شيعياً، وبدون العودة للشعب العراقي ليقرر مصيره، ويختار حكامه.
ومن مظاهر "الديمقراطية الأمريكية"، جلب بعض المرفوضين لدى الشعب العراقي، وبعض الذين تآمروا على الشعب العراقي، ليكونوا جزءاً من هذه الديمقراطية التي تأتي على ظهر الدبابات والصواريخ والقنابل العنقودية الأمريكية، حتى لو مجهم الشعب العراقي بكل فئاته.
ومن جملة مظاهر هذه "الديمقراطية الأمريكية" أن يُسمح بنهب متاحف العراق وحرق وزاراته (باستثناء وزارتي النفط والداخلية) ومكتسباته ومعاهده العلمية، ومراكز أبحاثه وغيرها من المنشآت الضرورية لاستمرار الحياة الطبيعية في فترة ما بعد العدوان، وفي نفس القوت المحافظة على تراثه وحضارته.
ومن مظاهر الديمقراطية الأمريكية التي تريد واشنطن تطبيقها في العراق، اطلاق النار على المتظاهرين الذين يطالبون برحيل الاستعمار وتسليم البلاد لأصحابها، وبعودة الحياة الطبيعية إليها. وفي نفس الوقت السماح بمظاهرات تؤيد الاحتلال، ونقل صور اللصوص الذين يسرقون البلاد، وقوات الاحتلال تتفرج عليهم عبر الفضائيات المختلفة.
إن الديمقراطية لا تستورد، بل إنها عملية تفاعل داخل المجتمع، بكل مؤسساته، السياسية، والاقتصادية والاجتماعية والدينية، هذا التفاعل الذي يؤدي إلى انتخابات حرة لممثلين عن الشعب.
ورغم أن للديمقراطية مفهوماً واحداً، وهو حكم الشعب، إلا أن تفاعلها وتطبيقها يختلفان بين مجتمع وآخر. ولكن عندما تكون هذه "الديمقراطية" هدفها خدمة مصالح الغير، فإن كل هذه المقومات تتساقط، وتصبح هذه المصالح هي المرشد لمثل هذه "الديمقراطية". وهذا ما نشاهده يجري اليوم في العراق تحت إشراف الجنرال الأمريكي المتقاعد غارنر.
ومن مفاهيم الديمقراطية لدى الإدارة الأمريكية هو محاولة إسقاط كل نظام لا يسير حسب أهواء ومصالح أمريكا، ومن الأمثال التي أمامنا في هذه الأيام هي: فنزويلا، فواشنطن غير راضية عن رئيسها المنتخب ديمقراطياً، هوغوشافيز، لأنه في عرفها "متمرد" على مصالحها، ولهذا تحاك المؤامرات ضده، وتجري محاولات لاغتياله.
ونفس الشيء ينطبق على فرنسا اليوم، حيث نسمع التهديدات ب "معاقبة" باريس لأنها تجرأت على إبداء رأيها الديمقراطي، بتحدي الموقف الأمريكي في الأمم المتحدة، واستعمال حق النقض في مجلس الأمن ضد أي مشروع أمريكي يريد من المجلس الموافقة بمنح واشنطن حق توجيه ضربة عسكرية للعراق. هذا الموقف هو حق ديمقراطي طبيعي لفرنسا، ولكنه لا يتماشى وأهواء الإدارة الأمريكية.
وقد سمعنا هذه النغمة من الوزير الأمريكي، كولن باول، في حين سارع وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، وهو الأسبق دائماً إلى فرض بعض العقوبات على فرنسا. إضافة إلى أن الحملة ضد فرنسا دفعت البعض إلى اتخاذ خطوات في مقاطعة البضائع الفرنسية المستوردة، بل ومحاولة تغيير بعض أسماء وجبات الطعام، في حين ذهب البعض الآخر إلى المطالبة بإعادة "تمثال الحرية" الشهير إلى فرنسا، لأنه كان هدية من الشعب الفرنسي إلى الشعب الأمريكي.
إن الديمقراطية مرتبطة بالحرية، فإذا لم يكن الشعب حراً أولاً، لا يمكن أن يفكر تفكيراً ديمقراطياً، فكل حواسه تكون موجهة إما ضد الحاكم المستبد، أو الاحتلال الغاشم، أو الاستعمار القبيح.
وكلنا يعرف مدى حاجة العالم العربي إلى الديمقراطية، ولكن لا أحد يوافق أن تأتي هذه الديمقراطية عن طريق الاحتلال والاستعمار، ولا نستطيع أن نشير إلى دولة منحها الاحتلال أو الاستعمار الديمقراطية الحقيقية، فكيف سيقنع الاحتلال الأمريكي شعب العراق أنه آت لمنحه الديمقراطية؟
إن العراقيين ينظرون اليوم، وفي أعقاب المجازر التي ارتكبت بحقهم من جانب قوات الاحتلال، إلى الأمريكيين بأنهم لا يختلفون عن أي نظام طاغ، ولا مستعمر جائر، وأن كل الكلام المعسول الذي تحاول أبواق دعاية الإدارة الأمريكية أن تبثه، ما هو إلا وسيلة للسيطرة على الشعب العراقي ومقدراته وثرواته ولا يمكن لهذا الوضع أن ينتعش في ظل الديمقراطية التي تريدها أمريكا للعراق.