الرئيسية > مقالات اليوم

حروف وافكار

فكر التنمية بين المد والجزر


أحمد بن محمد العيسى

إن من المتفق عليه أن الفكر يسبق دائماً الاستراتيجيات والخطط التنفيذية وذلك لأن الفكر يجمع بين الشمولية في معالجة المشكلات وفي توفر سعة الأفق والخيال والمقارنة مع بيئات تنموية أخرى ناجحة

تكثف وزارة التخطيط منذ وقت ليس بالقصير جهودها لإعداد خطة التنمية الخمسية الثامنة التي يفترض أن تغطي الفترة من 2005إلى 2009، وفق آلية روتينية تعتمد على رصد توقعات الوزارات والمصالح الحكومية للمشاريع والبرامج التي يمكن تنفيذها خلال فترة الخطة. وقد أعدت وزارة التخطيط قبل أن تصبح مسؤولة أيضاً عن الاقتصاد الوطني دليلاً إجرائياً لإعداد الخطة جرى توزيعه على ممثلي الجهات الحكومية لاعتماده في مراحل تجميع البيانات ورصد المشاريع المطلوبة. ويتوقع أن ترفع الخطة حسب البرنامج الزمني إلى مجلس الوزراء لإقرارها في شهر يوينو لعام 2004.وبالطبع من المبكر معرفة ما إذا كان اتساع مهام الوزارة ليشمل الاقتصاد إضافة إلى التخطيط سيؤثر على عملية إعداد الخطة التنموية أو على محتواها، وما إذا كان ذلك سيؤخر برنامجها الزمني أم أنها ستسير حسب الخطة والبرنامج السابقين.

لقد اعتبرت الخطط الخمسية للتنمية على أنها المرشد الأساس لأجهزة الدولة في تنفيذ مشاريع التنمية، إضافة إلى أنها اكتسبت أهمية خاصة في أوساط البحث العلمي المرتبط بقضايا التنمية لأنها تعتبر أحد أهم المصادر التي يتم الرجوع إليها لتحديد توجهات الدولة وسياستها التنموية، وكذلك لما يرصد فيها من بيانات إحصائية رسمية لا توجد في المصادر الأخرى.

لقد كنت وما ازال في ريب من هذا الأسلوب البيروقراطي في إعداد أهم وثيقة تنموية رسمية لبلد يزخر بالكفاءات العلمية والفكرية ويدخل في مرحلة حاسمة في تاريخه الحديث، وأرى أن الواجب أن يعاد النظر في أسلوب إعداد خطة التنمية الخمسية هذا إذا كان هناك حاجة لها أصلاً. أما شكوكي في سلامة المنهج الذي تعتمده الوزارة منذ سنوات فهو نابع من أن الفكر ضعيف في بنية الخطط الخمسية حتى إنها أصبحت من تكرار المصطلحات وتشابه المشاريع لا لون لها ولا رائحة. كما أنها من الناحية التنفيذية قد فقدت مصداقيتها لأن كثيراً من المشاريع التي اعتمدت في الخطط الخمسية السابقة لم تنفذ لأنها تُعد من جهات تطمع في الكثير دون النظر في ظروف الدولة الاقتصادية والمالية.

أما أن الفكر التنموي ضعيف فهذا شائع ولا لبس فيه حيث إن معظم القياديين في إدارات التخطيط في الأجهزة الحكومية هم من الموظفين الذين فقدوا التأثير في مجال عمل وزاراتهم وغالبهم ممن فقد الصلاحية أو تم ركنه في تلك الإدارات التي غلبها النوم وعلاها الغبار وأبعدوا عن أهم المشاريع والقرارات التي تتخذ داخل تلك الأجهزة البيروقراطية.

إن التنمية - في تقديري - تحتاج إلى فكر جديد، فكر مبدع يعيد النظر في القضايا الكبرى، يكون واقعياً حين ينظر إلى الوضع الراهن وصعوباته ومعوقات التنمية، ويجنح إلى الخيال والنظر البعيد حين ينظر إلى المستقبل. لقد كنت أرى أن أهم تجربتين تنمويتين عربياً وإسلامياً وهما تجربة ماليزيا وتجربة دبي تحققتا عندما كان هناك فكر خلاق ونظر بعيد وحظ وافر من الخيال والطموح والإرادة الصلبة والتي وضعت أهدافاً عامة طموحة وانطلقت في محاولة تحقيقها متجاوزة البيروقراطية الإدارية التي تعيق العمل الخلاق، بل أعتقد أن التجربتين نجحتا إلى حد كبير عندما ارتبط خيال المفكر لدى رئيس الوزراء الماليزي محاضر محمد بقيادته الإدارية وحنكته السياسية، وفي دبي ارتبطت بخيال الشاعر محمد بن راشد المكتوم، ولم ترتبط بفكر المنظرين أصحاب النظريات الاقتصادية التي تصلح في قاعات الجامعات ولكن حظها ضعيف في أرض الواقع.

لقد تأملت في واقع الفكر أيضاً ورأيت أن أهم من كتب عن التنمية هم من المفكرين الذين لهم باع كبير في الشعر والخيال، كان ذلك عند الدكتور الشاعر غازي القصيبي عندما ألف كتابه "التنمية وجهاً لوجه" الذي صدر عام 1989وكان عبارة عن مجموعة من المقالات التي كتبت قبل ذلك في فترات متباعدة، ثم في كتابه الثاني "التنمية: الأسئلة الكبرى" الذي صدر عام 1992م. وكذلك نجده عن المفكر الدكتور محمود سفر في كتابه "التنمية قضية" الذي صدر عام 1980م. كما أن الدكتور الشاعر أسامة عبدالرحمن ألف في هذا المجال وجاء كتابه "تنمية التخلف وإدارة التنمية" الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 1996م متميزاً وحافلاً بمناقشة إشكالات التنمية ومعوقاتها في الدول العربية. ولكن هذه المؤلفات على الرغم من أهميتها جاءت - عدا الكتاب الأخير - في وقت كانت فيه مساحة التنمية تزخر بالتفاؤل لأن الأفكار التي طرحت تشربت باحتفالية الطفرة المالية وتوفر المشروعات الكبرى، ولم تصطدم كما نعيشه اليوم بانحسار الازدهار المالي وارتفاع نمو السكان وضعف مردود المشاريع والبرامج التي كانت تستنزف أموالاً طائلة من خزينة الدولة.

إن التنظير للتنمية مهم في هذا الوقت لنعيد طرح الأسئلة الكبرى مثل: إذا كان الإنسان هو هدف التنمية كما يقال، فماذا كان دوره في عملية صياغة التنمية، وكيف أثرت عليه؟ هل يستمر مفهوم أن الدولة مسؤولة مباشرة عن التنمية، أم أنها ستتحول إلى جهاز لضبط الإيقاع ودعم التوجهات الكبرى؟ ما علاقة التنمية بالقضايا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي هي مثار نقاش وحوار مستمرين، والتي انتقلت في السنوات الأخيرة إلى مجالات أوسع بفضل تقنية الاتصالات والعولمة والمشاكل السياسية الضخمة المحيطة بنا؟

هذه القضايا الفكرية مهم طرحها في أكثر من صعيد ولكن التنظير يقابل مع الأسف الشديد بالاستهجان من قبل كثير من المخططين وصناع القرار وحتى من بعض الكتاب لاعتقاد البعض أننا شبعنا من التنظير وأن المطلوب في هذه المرحلة التوجه إلى خطوات عملية تسرع في عملية التنمية وتحقق مداها الأقصى لأن الظروف المحلية والدولية لا تحتمل الانتظار. إن هذا الرأي قد يكون له حظ من صواب ولكنني أرى أن التنظير في قضايا التنمية وآفاقها ومعوقاتها على المستوى المحلي والإقليمي والدولي له أهميته ولا يتعارض مع اتخاذ البرامج العملية في بعض المجالات الملحة التي لا تحتمل التأخير. لقد كتبت في مقال سابق إن الخدمات الاجتماعية ومعالجة مشكلة الفقر لا تحتاج إلى استراتيجيات نظرية قد نستغرق وقتاً طويلاً في إعدادها، وذلك لأنني أعتبر أن مثل هذه المشكلة تحتاج إلى مبادرات عاجلة وبرامج عملية تستند إلى فهم عميق للمشكلة وإرادة صارمة لمواجهتها، وذكرت أن المشكلة مرتبطة بشكل مباشر بقضية البطالة وقلة الفرص الوظيفية لعدد غير قليل من فئات المجتمع.

إن من المتفق عليه أن الفكر يسبق دائماً الاستراتيجيات والخطط التنفيذية وذلك لأن الفكر يجمع بين الشمولية في معالجة المشكلات وفي توفر سعة الأفق والخيال والمقارنة مع بيئات تنموية أخرى ناجحة أو فاشلة لمعرفة جوانب القوة والضعف في تناولنا لهذه القضية أو تلك. وبدون الفكر النير والنظر الثاقب والخيال الواسع الذي يوفر لواضعي الاستراتيجيات ومخططي التنمية رؤى متنوعة تنير لهم العديد من التجارب وتوضح لهم غايات التنمية وأهدافها وتبين كثيراً من المفاهيم الجديدة التي يمكن توظيفها، فإن التنمية تبقى ضعيفة النمو.

لقد مضى على بدء التخطيط المركزي للتنمية أكثر من ثلاثين عاماً عندما صدرت الخطة الخمسية الأولى عام 1980، ومنذ ذلك الحين وكثير من الندوات والمؤتمرات واللقاءات التي عقدت بإشراف جهات حكومية وأهلية كانت مواضيعها عن التنمية أو بعض جوانبها، ولكن - في تقديري - أن معظم الأبحاث والتقارير وأوراق العمل التي تطرح في مثل هذه اللقاءات تقدم حلولاً فنية لمشكلات التنمية وكانت تفتقر إلى الفكر العميق لطرح رؤى جديدة ومجالات خصبة وذلك لأن معظم الغارقين في القضايا اليومية لخطط وبرامج ومشاريع التنمية شغلتهم تلك القضايا عن النظر إلى التنمية من منظور أوسع، وشغلتهم عن القراءة والاطلاع في أدبيات التنمية والتطور الذي حصل في بلاد عديدة. ولعلي أضرب مثالاً على غياب الفكر والتأمل بعيد المدى والانشغال بالقضايا الوقتية والمعالجات الملحة وذلك عندما انحرف مفهوم "السعودة" أو توظيف القوى العاملة الوطنية عن مساره الصحيح وأصبح يهتم من خلال ما يطرح في اللقاءات والندوات وما يكتب في الصحف بقضية حل مشكلة التوظيف بسعودة القطاعات الأقل تأثيراً في اقتصادنا الوطني والأقل حظاً في فرص النمو وفي الوظائف التي لا تحتاج إلى قدرات علمية وفنية عالية، حيث يجري التركيز في برامج التعليم والتدريب على هذه المهن، مع انخفاض الاهتمام بسعودة المهن التي تحتاج إلى مهارات عالية والتي تخدم الاقتصاد الوطني مثل المهن في قطاعات تقنية المعلومات وتقنيات الأجهزة الطبية المتقدمة والقطاعات الطبية والهندسية والإدارية المتقدمة.

لقد كانت مرحلة الطفرة التنموية زاخرة بالكتابات الفكرية في قضايا التنمية مما يمكن أن نسميه بمرحلة مد فكري تنموي، ولكن مع انحسار تلك المرحلة انحسر الفكر ودخل في مرحلة جزر حتى أننا لا نكاد نسمع أن كتاباً جاداً جديداً صدر عن قضايا التنمية في المملكة، سوى ما نراه من مطبوعات تصدر بعد الندوات الرسمية التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    تحية طيبة ومباركة للدكتور أحمد العيسى على طرح موضوع الفكر التنموي المهم وعلى أهمية التأكد على صحة الفكر والأفكار التنمويه وعلى حسن توجهها وعلى جودتها وايجابيتها وليس سلبيتها.. فاذا كانت الأفكار التنمويه سالبه ولا تقيم للقيم الأنسانية وزنها فلا عجب بعد ذلك اذا اتبعنا الغرب او الشرق واعجبنا بهم.

    "إن من المتفق عليه أن الفكر يسبق
    دائماً الاستراتيجيات والخطط التنفيذية "

    كما يختلف الناس في الوانهم وفي اوصافهم كذلك يختلفون في مستوى فهم وادراكهم للفكرة الواحده ويختلفون كذلك في توجهاتهم وفي تطلعاتهم وفي اهدافهم وفي رغباتهم .. بل ويختلفون في طرق التفكير والتنفيذ وتحقيق الرغبات المتشابهه..

    فعلى سبيل المثال نجد عند البعض أختلاف وقصور في فهم وادراك معنى نمى ينمو والتي منها خطط التنمية .. فيحصر ويختزل فهمها في النمو العمراني والصناعي مهملا بعمد او بجهل النمو الإنساني والأجتماعي والثقافي .. فينتج عن هذا القصور والإختزال في الفهم مصائب عظيمة علينا ..وهذا الفهم هو نوع من التحريف الممنهج في خطط التنمية لتنحرف وسائل وأهداف وغايات الذين يبتبعون تلك الخطط المحرفه!

    فالبعض فهم معنى نمى ينمو وكأنها نام ينام وكأنه يقول ان الفكر التنموي يكون في العمران وفي الكماليات لراحة وسعادة الأنسان وهذا يشمل الأكل والنوم فتشتمل الخطة على تنمية مهاراته وقدراته المتعلقة بالعمران وبالكماليات ولا تشتمل على تنمية إنسانية الإنسان ولا على تحريره وتثقيفه وتدريبه انسانيا..
    فمن سيئات ذلك الفهم القاصر المحرف لمعنى التنيمة ما نراه ونلمسه في الواقع الأن مثل:
    * ان قيست قيمة الأنسان بالمال والوظيفة الحكومية والجاه المكتسب منها..
    *أنحرفت قيم التنافس ليصبح تنافسا على امتلاك التراب والأراضي واصبح التراب اغلى من الأنسانية..
    *وتلى ذلك التنافس الترابي التوسع الأفقي والراسي في العمران
    *وشئ طبيعي ان يثمر ذلك التنافس الترابي عن أهتمام بالمخدات الناعمة والأسره المريحه والحمام المزركش بالألوان والسيارات باحدث موديلاتها وعن اهتمام بتحسين الشوارع وانارتها ونام عليها الثور والبقرة.
    * ومن الأدلة البينه على انحراف وابتعاد خطط التنمية عن المعنى الصحيح لمعنى التنميه وانحرافها عن الأهتمام بالنواحي الثقافيه التي ترتقي بها الأنسانية والتي مصادرها ربانية هو الآهتمام البالغ والتركيز الشديد على الثقافة البدنية وحصر التنافسات على كرة القدم وكأننا ثيران.. واذكر ان الأستاذ تركي السديري قد طرح موضوعا قيما بين فيه مدى التخلف الذي نعانيه من الأهتمام بثقافة الكرة واهمال الثقافه الفكرية والأدبيه التي ترقى بالأنسانية.

    ننافش كلمة تنمية
    وكلمة تنمية من نمى ينمو استخدامها يعنى النمو الحضاري الشامل وليس الجزئ ولا المشوه فهو نمو في الفكر وفي طرق التفكير في النظم والتنظيم نمو في الوسائل المستخدمة ونمو في الغايات والأهداف .. لذا فإن كلمة تنمية لاتصح ولا يليق القاءها على دولتنا المسلمة ولا على المجتمع المسلم الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى وميزه على غيره من شعوب ودول الأرض بالقرأن الكريم وبالسنة المطهره بل وفضلنا على من نريد ان نلحق بهم تفضيلا عظيما .. فمن يعتقد ان النمو يكون باتباعهم بعد معرفة كتاب الله وسنة نبيه فهو ضالا بنفسه ويريد ان يضل المسلمين ويكون كمن قال تعالى فيه (وماذا بعد الحق إلا الضلال).. فالتفضيل والتكريم بهدايته لنا لمعرفة اقضل وارقي واشمل واكمل النظام والمناهج والسنن والقوانين التي ترتقي بها انسانيتنا في سلم الحضاره كما هي مبينة في كتاب الله وكما بينتها ووضحتها وشرحتها الأحديث النبوية الشريفه ..

    ثم نناقش من هو المؤهل لدراسة ووضع الخطط التي تهم المجتمع المسلم وتخص كل انسان فيه :
    مستشارون أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه هم أهل القرآن الذين يحفظونه ويفهمونه ويحرصون على تطبيق كل أيه فيه ..الذين قال تعالى عنهم (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) الذين يفكرون اولا بمرضاة الله وبالأخرة ويضعون خطط بناءه لأقامة دين الله لذلك وينفذونها في هذه الدنيا .. ومن الغفلة والغباء العثري ان نعمر دنيا لا تزيد عن سبعين سنه ونهمل الحياة الدائمة والخلود .. ومن وضع خطط تنموية واهمل الأخرة فان سنن الله الكونيه تقول حتما ورغم انفه سيقع في نكبة وسيسقط في الهاويه (وإن الذين لا يؤمنون بالأخرة عن الصراط لناكبون) ..

    يبدو أن الحريصون على المناصب والمصالح الماليه والمركزيه شوهوا صورة الناس الصالحين عند ولاة الأمر بطريقة نزعة الثقة منهم وبأنهم غير مؤهلين للتخطيط ووضع البرامج والأستراتيجيات لبلادنا الغاليه .. والواقع يثبت عكس ذلك , يثبت ان هؤلاء النفعيون اصحاب المصالح ينافسون ويقاتلون على مصالحهم وعلى استمرارهم فيها سواء كانوا شعراء او فلاسفة ومتكلمون بالعلوم الغربيه الحديثة واتبعهم في ذلك الغاوين من الناس.
    نسأل الله التوفيق للجميع

    حارث - زائر

    11:37 صباحاً 2003/05/08



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة