كل شيء في وقته حسن وجميل.. وهذا الوقت الذي صدر فيه المرسوم الملكي الكريم بتحويل الإذاعة والتلفزيون في المملكة العربية السعودية إلى مؤسسة عامة يرأس مجلس إدارتها، كما هو الحال بالنسبة لوكالة الأنباء السعودية معالي وزير الثقافة والإعلام هو الوقت الأحسن والأجمل للتحول نحو الإعلام المتخصص الذي يؤمن بالتنافس والمنافسة في عالم التغيير والتجديد الذي نعيشه اليوم.. أقول التنافس والمنافسة ولا أقول "التحدي" لأن الوسائل الإعلامية في كل دولة أو منطقة أو أي حيز جغرافي لا تتحدى بعضها البعض وإنما تتنافس وتتسابق على جلب انتباه المشاهد أو المستمع والاستحواذ على أكبر قدر أو شريحة من المستمعين أو المشاهدين.
نعم.. لا أحسن ولا أجمل من هذا الوقت الذي تتحول الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء السعودية من أجهزة وأدوات "معلوماتية دعائية" إلى مؤسسات "إعلامية - خدمية"، ولا شك أن الخط الفاصل واضح ومسافة الفرق شاسعة بين مفهوم الإذاعة والتلفزيون كجهازين حكوميين وفرعين من فروع وزارة الإعلام "سابقاً" وبينهما كمؤسسة عامة لها مجلسها الإداري الخاص الذي - بإذن الله - سيوفر لها الأرضية الخصبة والمساحة الإدارية والمالية المطلوبة والمرغوبة لخلق روح الإبداع والمنافسة الإعلامية ضمن الأسس والمبادئ الإسلامية لديننا الحنيف وعقيدتنا الإسلامية السمحة، وضمن الإطار الاجتماعي العام الذي يميز أمتنا السعودية ونعتز به كمواطنين سعوديين.
لقد كنا خلال الأربعين عاماً الماضية ننطلق "اجتهادا" في معظم ما نقدمه من خلال الإذاعة والتلفزيون من البرامج أو التغطيات الإخبارية وخاصة المحلية، من مفهوم الإعلام الرسمي "الدعائي" أو المعلوماتي عن كل ما هو جميل وإيجابي سواء منه ما يعود إلى تراثنا الأدبي والتاريخي المجيد أو ما يعود لإنجازاتنا الحضارية ومشاريع الخير والنماء التي نفذت وتنفذ لصالح الوطن والمواطنين.. أي أن النقد حتى ولو كان إيجابياً والسلبيات حتى ولو كانت ضارة للدولة وللمجتمع لا يليق بأي حال من الأحوال إظهارها من خلال وسائل إعلامية رسمية مثل الإذاعة والتلفزيون أو وكالة الأنباء السعودية، ولقد كان هذا هو الهدف العام والدور الرسمي لوسائل الإعلام في معظم دول العالم وخاصة ما يسمى بالدول النامية.
ولقد تغير الآن هذا المفهوم الإعلامي لدى معظم الدول وأصبح ينظر إليه كشيء من الماضي على نحو ما يلي:
1- الإذاعة والتلفزيون مكلفة تأسيساً وتشغيلاً وإدارة. وقد كان في الماضي لا يستطيع أو يقدر على إنشاء المحطات الإذاعية والتلفزيونية سوى الدول، ومن ثم كان لزاماً على هذه الوسائل أو الأجهزة الحكومية أن تعمل بسمع وبصر ونفس هذه الدول، وقد زال الآن "تقريبا" هذا السبب لانخفاض تكاليف إنشاء محطات البث الفضائي، الإذاعي والتلفزيوني واتساع سوق الإعلان التجاري.
2- كان البث الإذاعي والتلفزيوني يتم ضمن نطاق جغرافي محدود داخل الدولة، وكان في حساب السياسات الإعلامية لمعظم الدول "تفصيل" هذا البث أو الخدمة الإعلامية لتتواكب أو تكون وفق ما تراه من الاحتياجات الثقافية أو الاجتماعية أو الدينية لمواطنيها.. إلا أنه في ضوء الامكانات الهائلة للبث الفضائي تم الغاء هذه الحدود الجغرافية للدول، وأصبح المواطن، في كل أنحاء العالم، حراً طليقاً يختار مشاهدة ما يشاء أو الاستماع إلى ما يشاء دون رقابة أو تدخل من أحد، مما آذن بعصر إعلامي جديد من التنافس والمنافسة الإعلامية الشرسة وتغيير مفاهيم "السيادة" الإعلامية السابقة.
3- في البدء، وضعت الاستراتيجيات الإعلامية في معظم الدول وخاصة العربية منها والإسلامية على أساس ("رأسي" أو "هرمي").. أي أن المخططين والمسؤولين في الأجهزة الإعلامية يضعون خططهم الإعلامية على أساس أنهم هم الأدرى والأعلم بالاحتياجات والرغبات العامة لدى المواطنين؛ لإحاطتهم بالمعلومات الثقافية والإخبارية المفيدة ودعوتهم إلى التعاون والتفاعل مع انجازات الدولة التنموية.
وقد كانت هذه من أهم الأهداف الإعلامية المطلوبة والمرغوبة في مرحلة التأسيس والبناء السياسي والاقتصادي وتجهيز البنى التحتية للدول، حيث كان المواطن يفتقر إلى الحد الأدنى من المواصلات والاتصالات وتعدد المصادر المعلوماتية.. إلا أنه مع الانفتاح الإعلامي الذي نشهده اليوم وسرعة النقل والتنقل بين الناس وسهولة الحصول على المعلومات التي يحتاجها المواطن دون ضرورة الرجوع إلى الوسائل الإعلامية الرسمية، أصبح ينذر بعدم ملائمة هذه الاستراتيجيات "الافتراضية" وأن شراكة جديدة بين هذه الوسائل الإعلامية وبين المواطن أو "المتلقي" سواء أكان مشاهداً أو مستمعاً يجب أن تنشأ.. وخط الإعلام "الفوقي" أو "الرأسي" يجب أن يعدَّل إلى "أفقي" بحيث يصبح فيه الناس أو المواطنون مشاركين بأفكارهم وبآرائهم وليسوا فقط مستمعين أو مشاهدين..، مما يعني التحول من مفهوم الإعلام "الدعائي" أو "المعلوماتي" إلى مفهوم الإعلام "الخدمي" أو "التفاعلي".. وهو ما يجب أن ينظر إليه الآن على أنه الهدف الأساسي والأهم لتحويل الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء السعودية من الفكر "الرسمي" إلى الفكر "المؤسَّسي" للدولة، وليس الهدف هو فقط التقليل من الروتين الحكومي والتخلص من معوقات النظم المالية والإدارية التي طالما أثقلت كواهل هذه الأجهزة الإعلامية.
عبر العشرين عاماً الماضية ومن خلال تشرفي بالعمل مديراً عاماً للقناة الثانية ثم وكيلا لشؤون التلفزيون، تعايشت مع العديد من المعوقات ومتاعب العمل التي يجب أن تختفي أو تتلاشى على نحو ما في ضوء الفكر المؤسسي الجديد للإذاعة والتلفزيون.. من هذه العوائق و المتاعب التي كنا نتعايش معها مايلي:
أولا: صفة التلفزيون "الرسمية" كانت قد أفرزت العديد من التعليمات والمفردات الرقابية مما جعل الخروج عنها حتى في الأمور البسيطة والتي لا تتعارض بأي حال من الأحوال مع العقيدة الإسلامية عرضة لسهام النقد والمساءلات الإدارية مما كان قيوداً وحواجز مانعة للعديد من الأعمال التلفزيونية المتميزة.
ثانياً: عدم مرونة الأنظمة المالية والإدارية وملاءمتها لطبيعة التلفزيون ومتطلباته البرامجية أو الفنية كانت قد ألقت بظلالها على العديد من المشاريع والخطوات الرائدة، إذ أن عبارات مثل النظام لا يسمح، موافقة صاحب الصلاحية، الارتباط المالي المسبق وكذلك البند لا يتسع.
كانت دائماً عبارات صد وإحباط لمن هم على رأس المسؤولية في هذا الجهاز.
ثالثاً: حساسية التلفزيون السياسية والاجتماعية تجعل المسؤول دائماً كما لو أنه يمشي على حقل من الألغام لا يدري أين ومتى يتعرض لانفجار أحدها.. ولعلي الآن أكتفي بهذا العدد "ثالثا" لينسجم ويتناغم مع بيت الشعر الذي كنت دائماً أردده:
ولو كان سهماً واحداً لا تقيته
ولكنه سهم وثان وثالث
وعلى العموم، لم تكن هذه المتاعب أو العوائق وغيرها على الدوام "سلبية"، بل إنها كثيراً ما تُستخدم كذرائع أو ملاجئ نحتمي بها عند اشتداد النقد وأمام رغبات بعض المواطنين ومطالباتهم لنا بالمنافسة مع القنوات الفضائية الأخرى.. وهي ذرائع وملاجئ لاشك أنها ستقل أو تندثر في ظل المفهوم "المؤسسي" الجديد للإعلام.
لهذه الأسباب وغيرها نقول اليوم: مرحباً بالمؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون ومثلها وكالة الأنباء السعودية، لما لطبيعة المؤسسات من سرعة الحركة والمرونة المالية والإدارية المطلوبة.
* وكيل وزارة الإعلام لشؤون التلفزيون (سابقاً)
1
أخي الدكتور النجعي
وأكررها معك
نعم.. لا أحسن ولا أجمل من هذا الوقت الذي تتحول الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء السعودية من أجهزة وأدوات \"معلوماتية دعائية\" إلى مؤسسات \"إعلامية - خدمية\"،
______
ولكن ياسيدي
متى يأتي الوقت الذي تتحول فيه وزارة الإعلام
من جهاز معلوماتي ودعائي إلى جهاز إعلامي -
خدمي ...
بعد أن مات حلم خصخصة وزارة الإعلام سابقاً-
واختفى هذا الحلم مع ادراج الرياح -
وخاصة بعد ضم (الثقافة مع الإعلام)
والبركة في بعض وكلاء وزارة الإعلام الذين حاربوا هذا الحلم ليبقى كل في موقعه وكرسيه الدوار..
__
مع اطيب تحية..
مسلط بزيع
08:13 مساءً 2003/12/22
سجل معنا بالضغط هنا