استقيت عنوان مقالة اليوم من عنوان لمحاضرة قيّمة ألقاها الأستاذ الدكتور يحيى محمود بن جنيد أمين عام مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وذلك في رحاب جامعة الملك عبدالعزيز تحت رعاية قسم المكتبات والمعلومات بكلية الآداب، وذلك في يوم الثلاثاء الموافق للرابع من ذي القعدة لعام 1423ه.. عمد المحاضر فيها على استقراء الماضي بالتنقيب في كتب التراث الإسلامي وسبر أغوار الموروث الثقافي العربي لاستظهار بعض الشواهد والأمثلة التي تدحض النظريات التي تسلب الريادة عن العرب والمسلمين في كل شؤون المكتبات والمعلومات.. وحقيقة أن المطلع لهذا الموروث ليتعجب أشد العجب عندما يمر على شواهد تدلل على مدى الريادة والسيادة التي ملكها العرب والمسلمون منذ القدم.. ليس المقام هنا لسرد نماذج أو شواهد تدلل على السيادة المعلوماتية للعرب والمسلمين فهي كثيرة وعديدة، وان كان لابد لنا أن نعلم ونعرف بعض مظاهرها فكتب التراث زاخرة بشواهد عديدة ومجيدة وقد عرج المحاضر في ورقته على ذكر لبعض هذه النماذج وكيف انقلب الأمر في وقتنا الحاضر وأصبحنا ننظر بانبهار وإعجاب بسيادة الغرب في مجال المعلوماتية وكيف غفلنا عن استلهام موروثنا، بل ان الأمر وصل إلى درجة قطع الصلة به.
وشدد الدكتور بن جنيد في ورقته على أن استقراء الماضي ليس الهدف منه التباهي والتمجيد أو الركون إليه بالتلذذ بأمجاده أو التغني بأيامه، بل الهدف هو استنهاض الهمم والعمل على الممازجة بين الأصالة والموروث وبين الحديث المعاصر وهو هنا ركز على الدور الكبير الملقى على عاتق المتخصصين وعلى أقسام المكتبات والمعلومات بالعمل على ابراز هذا الموروث المشرّف في دراسات وأبحاث علمية تربط بينه وبين الحديث والمعاصر.
ما سبق يمكن اعتباره خلاصة لما جاء في الورقة المقدمة من الدكتور بن جنيد وللحق فما قاله المحاضر الكريم هو واقع حاصل، فتغييب الموروث وإن لم يكن بشكل كامل شواهده عديدة، وإن كنت لا أستطيع تحميلها أقسام المكتبات والمعلومات لديها مادة تتعلق بتاريخ الكتب والمكتبة كذلك تقوم العديد من الجامعات بتقديم مادة في الحضارة الإسلامية لعموم الطلاب فيها من الشواهد والنماذج الكثير ولكن المشكلة دائماً تبقى في عملية عدم توافق أو تطابق واقع الحال مع الشواهد المقدمة.
كذلك ان النظر للآخر كنموذج ينظر إليه بإعجاب وبتحيز وكيف اصبح هذا الأمر - النظر للآخر كنموذج - استلابا متعمدا لموروثنا، وإنما هو نتاج طبيعي كما اسلفت لما يمكن اعتباره انفصام الشواهد الموروثة مع الواقع المعاش، كذلك ما يجعل لهذا الانبهار والاعجاب محلا في النفس هو واقع معايش هناك وواقع مغيب هنا.
الحل هنا كما ذكر المحاضر الكريم ليس باستعادة النصوص وسبر أغوار الموروث للركون إليه، بل العمل على ابراز هذا الموروث بدراسات علمية جادة تربطه بالتطورات المعاصرة.. اضافة إلى ما سبق أرى انه لابد من العمل على جعل النصوص شواهد على نماذج حية وقائمة حتى يمكن ربطها واستيعابها بحيث لا تصبح مغيبة في تراثنا يمر عليها مرور الكرام حضارات سادت ثم بادت.. أيضاً من المهم إذا أردنا لهذه الريادة والسيادة ان تبقى وتكون حاضرة على أقل تقدير في أذهاننا علها يوماً ما تستثير الهمم، أن يُعمل على تسمية المكتبات العامة بأسماء من كان لهم السبق والريادة فماذا يمنع أن تكون هناك مكتبة "عبدالحكم الجحمي المكي" أو مكتبة "علي بن يحيى المنجم" وغيرهم ممن تزخر بهم كتب التراث، على أن يجاري ذلك التعريف بهم وبمناقبهم بصورة واضحة وجلية في المكتبات المسماة بأسمائهم فيها.
وقبل كل هذا وذاك لا يمكن أن يتم الاكتفاء بذلك بل لابد أن يواكب الواقع دلالات النصوص الموروثة وأن يُعمل على رفع الوعي بالمكتبات ودورها، وذلك بالاهتمام بها والتركيز على جعلها محوراً للمعرفة والثقافة فقديماً كانت المكتبة يطلق عليها "بيت الحكمة" أو "دار الحكمة"، وذلك للدلالة على المكانة العالية التي رقت إليها وكان العاملون والقائمون عليها هم من علية القوم وأرفعهم شأناً في مجتمعهم، فشتان بين نص موروث وواقع معايش.
هذا وبالله التوفيق..
ali@alali.info
د.الزهراني : قد لا نجد (1%) من المثقفين يدرك هذه الظاهرة !(ثقافة اليوم) تقف مع هذا التفجر الثقافي الذي يصدق عليه قالبا وقلبا مفهوم التفجر والثورة الثقافية فالعالم اليوم يشهد يوميا أكثر من (25000) مؤلف يضاف إليها يوميا مطبوعات ...