أكتب هذا الحديث في اليوم الذي انتهت فيه فعاليات ندوة وزارة المعارف عما يريده التربيون والمجتمع من بعضهما البعض. والواقع أن المجتمع باطلاقه لا يريد شيئاً كبيراً او معقداً من أهل التربية والتعليم، اللهم إلا الاخلاص في العمل والقيام بما يناط بهم على أحسن وجه وأكمله، وأن يعملوا كما درسوا وتخصصوا، وكما يجب من أمثالهم. لا كما يرضي بعض أفراد المجتمع. ويريد المجتمع من التربويين عدم التوقف عن التطور والتقدم بصرف النظر عن آراء بعض أفراد المجتمع، ذلك أن أفراد المجتمع، ليسوا سواء من حيث المعرفة والدراية.
أما التربويون فأزعم أنهم طلباتهم قليلة. وهم يريدون أن يعطى الخباز خبزه، ويتركون على ما أؤتمنوا عليه دون تدخل أو مزايدة. ومع هذا يظل ما حدث في تلك الندوة بقية من خاطر لم يتعرض له الكثيرون. من ذلك مثلاً: من الذي مثل المجتمع في الندوة؟ هل أصحاب البحوث الذين جاءوا من خارج وزارة المعارف يمثلون المجتمع؟ أم أنهم وإن كانوا من خارج وزارة التعليم إلا أنهم من التربويين بصورة أو بأخرى. ولهذا هل يصح ان نقول ان ما قيل في الندوة يمثل رأى التربويين بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
بداية أرى عنوان الندوة لا يستقيم كما يجب. كيف ذلك؟
الجواب هو: أن التربويين ليسوا طرف معادلة أمام المجتمع. فهم كثرة كثيرة ينطبق عليهم صفة المجتمع أكثر من انطباق صفة التربية، إلا اذا اعتبرنا أن كل مشتغل بالهم التعليمي من التربويين، فيصح إذن ان نقول أن المجتمع بأطيافه المتعددة من التربويين. فإذا كان الأمر هكذا: هل يمكن أن نقول: ماذا يريد التربويون من أنفسهم؟
في ظني أن السؤال يجب أن يكون ماذا يريد المسؤولون عن التعليم من المجتمع؟ وماذا يريد المجتمع من المسؤولين عن التعليم؟ فإذا كان السؤال بهذه الصيغة، فأنا من التربويين، ولكنني لست مسؤولا في وزارة المعارف. ولهذا أستطيع أن أعتبر نفسي من المجتمع وأقول ماذا أريد من المسؤولين عن التعليم.
باختصار شديد أريد من المسؤولين عن التعليم تبنى أحدث نظريات التعليم والمعرفة المعروفة بادارة الجودة التربوية quality management of education (قد تكون الترجمة غير دقيقة) وهي تعتمد على التأكيد الصارم على بنود ثلاثة: مدخلات التعليم، ومخرجات التعليم، والعملية التعليمية. وعلى المسؤولين عن التعليم أن يسألوا أنفسهم هل تبنوا هذه النظرية بصدق وشمولية. ونحن كأفراد مجتمع لا نسأل أهل التربية هذا السؤال لسببين: الأول أننا نعرف أن المختصين في التربية والمشتغلين بها يعرفون هذه النظرية قولاً وربما عملاً. والسبب الثاني أن لا حول لهم ولا قوة، فليسوا كلهم في موقع صنع القرار.
ولكننا كما أسلفت نسأل المسؤولين في وزارة المعارف.
منذ عشرات السنين ونحن نسمع عن ندوات ومؤتمرات ولجان عمل، ولجان ووفود تذهب إلى خارج المملكة من أجل العمل على تحسين العملية التعليمية والتربوية من كافة الوجوه. ولكن للأسف لانلمس لمس اليد نتيجة كبيرة تنعكس على قضايا التعليم. ولعل سائلا يسأل لماذا؟ ولعل أقرب جواب لدي وهو من ظنوني: أن الخطط والبرامج الحديثة متوفرة، وأن التجارب والتطبيقات متوفرة أيضا، ولكن حال حائل دون تطبيقها. فإن صحت ظنوني فالملوم المجتمع الذي ربما عاق ما ترومه الوزارة وتسعى إليه. فإن صحت ظنوني مرة أخري عرفنا لماذا الوزارة عقدت هذه الندوة. إنها تريد أن تقول دعوني أعمل دون تدخل.
لكن الأصح أن تعمد الوزارة إلي توزيع استبانة على أفراد المجتمع عبر مدارسها وعبر الجامعات والغرف التجارية والأندية الرياضية والأدبية، وعبر الوزارات بحيث تصل لأكبر شرائح المجتمع. وبدل أن تسأل ماذا يريد المجتمع من التربويين. تقوم الوزارة باعداد قائمة منتقاة ومقننة ومدروسة تشمل أهم ما يريده المجتمع من صناع القرار التربوي والتعليمي. ثم تفرغ تلك الاستبانات لمعرفة أكثر الطلبات المجتمعية. لا أحسب أن المجتمع يعرف ما يخص التعليم والتربية أكثر من شريحة صغيرة من المختصين، ولا أحسب أن قضايا التعليم تصير مادة للاستفتاء العام. ولكن إذا كانت وزارة المعارف تريد أن تسمع صوت المجتمع فلتسمعه مختصراً:
نريد تربية وتعليماً حديثين، تخرج عقولاً متوقدة، وقلوباً مؤمنة، وأيدي عاملة، وبصائر متطلعة، وأحاسيس جميلة، وسواعد متحدة، وأجساماً صحيحة، ونفوساً متسامحة. نريد انفتاحاً لا انغلاقاً، تراثاً وحداثة. نريد أن يدرس التلميد ليعرف ويعقل ويعمل. لانريد واحدة أو اثنتين، بل الثلاثة. نريد أن يهتم المسؤولون عن التعليم اهتماماً كبيراً بثلاث أمور تحكم العملية التربوية وهي: الأمر الأول الجانب الفكري.
والأمر الثاني الجانب المعرفي والأمر الثالث الجانب الخلقي. لانريد واحدة أو اثنتين، بل الثلاثة. فكل نقص أو خلل فيما سبق يعد هدماً أو تشويهاً للتربية والتعليم.
هل ياترى ما نريده يخفى على المسؤولين التعليميين؟ أقول جازماً بالنفي. إذن لماذا يسألنا القوم؟ الجواب كما ظننت سابقاً: هم لا تنقصهم الخبرة ولا المعرفة، فهم أهل بجدتها. ولكن يريدون استفتاءً عاما، مثل التفويض على ما ينوون القيام به. ونحن نقول لهم: على بركة الله تقدموا واعملوا، وسيري الله عملكم. ولو لم تكونوا من أهل المعرفة والثقة لما اعطيتموها.
ولعل من واجبات المجتمع التربوية والتعليمية ما أراه متعطلاً وهو: احجام بعض شرائح المجتمع القادرة فكرياً أو مادياً على المساهمة يدا بيد مع وزارة المعارف. فإن كان هذا التعطل له ما يبرره في الماضي، فلا يجوز أن يستمر في وقت نرى شرائح المجتمع تساهم في صنائع أخرى. لهذا فأنا أقترح تأسيس لجان تربوية في كل مدرسة وحي أعضاؤها من أولياء الأمور وغيرهم وخاصة من التجار وأهل اليسار واصحاب التخصص والرأي للدفع بالعملية التربوية والتعليمية. على أن يسبق ذلك اعطاء المدارس حريات أكبر في إدارة شؤونها بما يجعل اجتماع أهل المدرسة مع لجان التربية المحلية مثمراً وذا نفع.
أما وزارة المعارف فعليها الشروع فعلاً وبجراءة وجسارة في ثلاث قضايا ملحة وهي: أولاً تحديث المناهج تحديثاً لا يقف عند مفردات المقرر، بل الحذف والاضافة والدمج. والثانية: النظر بعين وعقل جادين في قضية المعلم، وألا تجعل مهنة التعليم مفتوحة لكل من لا مهنة له.
والثالثة تحديث الطرائق التربوية والتعليمية لتخريج عقول وقلوب واعية مفكرة. وليست عقولا وقلوبا عليها أقفالها.
وأعود لما بدأت به، فهذا الحديث عبارة عن مشاركة جاءت عفو الخاطر، قيدتها في اليوم الذي انتهت فيه فعاليات ندوة وزارة المعارف عما يريده التربويون والمجتمع. ولم أقصد منها الاحاطة، ولم أتعمد التوسع. على أنني أكتبها وأنا أعرف سلفاً الكم الهائل من المعارف المتراكمة لدى المسؤولين عن التعليم في هذه البلاد حرسها الله. وهم ليسوا في حاجة لما لدينا من معرفة متواضعة. ولكنهم سألوا، وهذه اجابتنا.