عوض اصيب في حادث سيارة حين كان في العشرينات من عمره، من يومها وهو على كرسي متحرك فقد قدرته على المشي، صعب ان تخونك قدماك وانت في عز شبابك، لكنه قدر ومكتوب وهذا لا يعني نهاية الدنيا، عوض اخذ مدخراته وارتحل للخارج بغرض الدراسة، تعلم اللغة الإنجليزية، وانتظم في الجامعة، يسكن لوحدة، في مجمع قريب من الجامعة، يقود سيارته كل يوم، اعرف أنني لا اقول شيئا جديداً، لكن عوض حين يعود لبلدته في زيارة لأمه، لايخرج من البيت بدون مساعدة اخيه حتى يركب السيارة، ومساعدة صديق كي يحرك كرسيه في الشارع للذهاب لأقرب مشوار، فالأرصفة عالية لم تصمم بحيث تستوعب حركة كرسيه. المكاتب والوزارات وحتى الجامعة والأسواق يزين مداخلها درج عال، لايمكن لكرسيه تسلقه، وآخر مرة ذهب لأحد الأسواق الذي سوي مدخله بالأرض، قام احدهم بوضع عشرين ريالاً في ثوبه! ويمكنكم ان تسألوه عن تفاصيل الحكاية.
هو الآن هناك، يعيش حياة مستقلة معروف جدا في الجامعة وبين الطلبة، يستمتع بمواقف المعاقين التي يغرم القانون من يستغلها، شقته مجهزة بأحدث الأجهزة التي تساعده على التحرك بسهولة، سعيد جدا لأنه ليس مضطرا ان يفتح الجريدة اليومية ليقرأ عنوانا مكتوبا بالخط العريض " فلان يتغلب على الإعاقة" او "فلانة تتجاوز المستحيل وتواجه المجتمع رغم إعاقتها". هو يرى أنه إنسان عادي، يعيش في مجتمع يتقبله كما هو، لاتقف عيونه عند كرسيه المتحرك، يمارس حياته بدون أن تواجهه الوجوه المندهشة أو المشفقة، هو يعيش، يذهب مع صديقه ديفيد في ايام الشتاء ليمارسا رياضة التزلج على الجليد ويتسابقان بكراسيهما المتحركة وفي الصيف يمارسان التزلج على الماء.
عوض سيعود يوماً ما، سيحصل على شهادته ويعود، فنحن لا نستطيع أن نحلق بعيدين عن اعشاشنا- جمع عش، مع الاعتذار لعلماء اللغة- حتى لو وخزنا قشها وادمتنا اغصانها، تظل البيت الوحيد الذي نعرفه والمكان الوحيد الذي ننتمي إليه، حتى لو تحولت إلى عيون تطالعنا بغرابة، عوض يحلم عند عودته ان تتغير اشياء كثيرة، أن يجد مجتمعه وقد تجاوز فكرة الشفقة وحالة الدهشة التي تصيبه حين يرى عوض ومن مثله يمارسون حياة طبيعية، أن يجد المباني وقد اجبر مصمموها بوضع تجهيزات خاصة للمعاقين، من مداخل، ومصاعد وغيرها، ان يتمكن من الوقوف امام جهاز الصرف الآلي ليدخل بطاقته بيسر وسهولة بدون أن يعتمد على اخيه او صديقه، أن يصبح الهدف الأساسي لأي برنامج تأهيلي او تعليمي او تربوي هو دمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مع غيرهم في المدارس، ان لا يسأله احد يوما: كيف تغلبت على الإعاقة؟ فالإعاقة لاتتغلب عليها بل تتعايش معها.
هل سيعود عوض يوما ام انه سيفضل العيش هناك؟ هل ستلومونه لو فضل العيش هناك؟