من أهم وسائل تعريفك على الشعوب هي ما تقدمه تلك الشعوب من دراما تلفزيونية أو افلام سينمائية تكون تعبيراً عن قضايا وطبائع تلك الشعوب وحسب جودتها وانتشارها يكون تأثرك بها ولهذا فمن اهدار الوقت والمال ان تنتج دراما لا تعكس واقعك حتى ولو البستها ثوبك ومن المؤسف له ان غالبية الاعمال المحلية التي نراها لا تعبر عن واقعنا ولعل لغياب الكاتب السعودي الدور الاكبر في هذا الأمر فمعظم ما نشاهده من اعمال هي لكتاب عرب غير مشهورين يكتبون اعمالنا بروح غير سعودية وحتى لو سعودت اللهجة ستبقى الروح الحقيقية للعمل ويساهم أيضاً في بقاء تلك الروح ما يستعان به من مخرجين عرب يقدمون الدراما السعودية اما بروح الكاتب الحقيقي أو بمفهوم قاصر للروح المحلية ويبقى الأمل في الممثل السعودي الذي نعتقد ان بامكانه المساهمة في اضفاء روحنا المحلية على مجريات الاحداث ولكن المتابع لما يعرض يجد ان الكثيرين منهم لا يحركون ساكناً ويتركون الوضع كما هو عليه وكم من حوارات خاطئة دارت في مشاهد احد اطرافها من النجوم الذين يعول عليهم الارتقاء بالدراما المحلية سواء كان الطرف الآخر ممثلا سعوديا أو من يستعان بهم من الممثلات الخليجيات ولهذا فنحن في أمس الحاجة إلى تطوير الدراما المحلية ببث الروح المحلية فيها سواء بتشجيع من يملكون القدرة على الكتابة باخضاعهم لدورات مكثفة لفنون الكتابة والاستعانة بكبار الكتاب في عالمنا العربي لتوجيههم في الاسلوب الأمثل للكتابة لا الكتابة عنهم والأمر أيضاً في حاجة ماسة إلى تطوير الرديف الآخر في العمل الدرامي وهو المخرج الذي يستطيع في كثيرمن الاحيان بث الروح المحلية في العمل الذي يفتقدها متى ما كتب ذلك العمل بحرفية كتابة الدراما الحقيقية التي تحتاج إلى تصاعد الاحداث وفق الاثارة والتشويق ومنطقية الاحداث وان يكون في كل حلقة حدث جديد يشوق المشاهد إلى متابعة الحلقة التي يراها ويشوقه إلى متابعة التالية التي يبقى منتظرا عرضها.
ومن عيوب الدراما المحلية التطويل الممل رغبة في انتاج ثلاثين حلقة لقصص وقضايا يمكن ان تترجم احداثها في سهرة تلفزيونية أو سباعية على أقل تقدير ولهذا فللمسلسل الطويل أسس لابد ان يبنى عليها ومنها تشعب الاحداث والتصاعد بها من حلقة إلى اخرى، اما ان يكون محور الاحداث عائلة واحدة وموضوعا واحدا واماكن تصوير متكررة فإن الكاتب سيجد نفسه يكرر ما يقوله يومياً ويفقد جاذبية المتابعة والتطويل وهو عيب في الدراما المحلية يلجأ له الكثير من المنتجين والكتاب والمخرجين لتحقيق مدة عرض أكبر تكفل الحصول على مبالغ اكثر تغطي التكلفة الانتاجية وتكفل المردود الربحي العالي في كثير من الاحيان فكلما اختصرت مواقع التطوير وشخصيات العمل كلما انخفضت التكلفة الانتاجية وزادت الربحية ومثل هذا يتعارض مع انتاج مسلسل متميز في حلقات مختصرة ولهذا يفترض ان يمنح الموضوع السعر الذي يكفل له النجاح دون اللجوء إلى زيادة المدة بهدف زيادة الدخل وخصوصاً في التلفزيونات التي تتعامل وفق دقائق الانتاج وليس الحلقات فالمحطة التي تعتمد سعرا للحلقة تدور الاحداث في مسلسلاتها مابين 40إلى 45دقيقة بينما اعتماد الدقائق كمبدأ للتسعير يجعل الحلقة تتمدد إلى 60دقيقة بغية تحقيق نفس المردود.
ومع هذا فالملاحظ على بعض الانتاج العربي والخليجي والمحلي على وجه الخصوص اطالة الاحداث دون مبرر في جميع الحلقات وعندما تأتي الحلقة الاخيرة يبدأ الكاتب في جمع الخيوط وانهائها بشكل لا يتفق مع الواقع فكيف يتحول المدمن الذي سبب لزوجته واسرته الازعاج وتمكن منه الادمان حتى دمر حياته إلى إنسان سوي (هكذا دون أي تبرير منطقي) فنحن نعرف ان الندم لا يكفي لكي يعود المدمن إلى إنسان سوي بل لابد من هزة عنيفة تجبره على ذلك ولابد ان يخضع إلى علاج ومعاناة ورفض لذلك العلاج لما يسببه له من آلام نفسية وجسمانية وضعف مقاومة حتى يتغلب عليها ولهذا فمن المنطق ان تبدأ رحلة الندم أو التوبة في منتصف الحلقات وان نستعرض رحلة العودة إلى الحياة الطبيعية في حلقات توازي رحلة بداية الضياع وبمنطقية تقنعنا فالمدمن لايعود إلا بنقطة تحول في حياته تجعله ينهار كأن يموت احد اصدقائه المدمنين امام عينيه أو ان يتعرض لحادث أو أي أمر منطقي آخر كمتابعة صديق أو محب يسخر حياته لانقاذ هذا المدمن وينجح وهذا ما لا نراه في معظم الاعمال التي تظهر اثر الادمان على هدم الاسرة فنجد ذلك المدمن في الحلقة الأخيرة وقد عاد إنسانا طبيعيا دون ايضاح الكيفية التي تحول بها وكأن دور الدراما سردي بعيداً عن دورها الحقيقي وهو ان تكون كشافا للنفوس والخبايا.
والكثير من الأمور تنتهي بالندم فقط دون سبب مقنع فالشرير يتحول إلى إنسان طيب لمجرد اننا في الحلقة الأخيرة والحرامي يتحول إلى مصلح لمجرد أننا في الحلقة الأخيرة والحقيقة اننا كمشاهدين لا تقنعنا تلك النهايات المعلبة فنحن نود ان نعرف الشكل المنطقي للاحداث الذي يحول الشرير إلى صالح والحرامي إلى مصلح فالدراما الحقيقية تعكس الواقع بكل ابعاده وتذكر الإنسان المسلم بحقوق الله عليه وبيوم الحساب والعقاب فهي المحرك الاكبر لكي يعود المنحرف عن الطريق الذي يسلكه والمنحرف هنا ليس الممثل الذي يجسد الشخصية ولكنه تلك الشخصيات الحقيقة التي تعيش بيننا والتي يجب ان تكون هذه الاعمال المرآة التي يرون انفسهم فيها فيعرفون أي نوع من الناس هم دون ان نصارحهم أو نكاشفهم فنحن نقدم نماذج لهم قد يرون فيها انفسهم وكم من عمل درامي متميز كان نقطة البداية لتحول الكثير من الناس إلى طريق الصواب فهي كالمنبه الذي ينطلق منذراً بوقوع الخطر.
ويبقى السؤال المهم ينتظر الاجابة.. وهو متى تكون الدراما السعودية معبرة عن واقعنا وعن قضايانا بصدق لتستحق ان تنتج وتدعم وتشاهد؟..
GERNAS@GERNAS.COM