أود أن أطرح قضية جوهرية يتجاهلها المجتمع أو يباركها أحيانا، وهي القضية التي تعامل بها المرأة في المؤسسات التعليمية من الحضانة وحتى الجامعة، والتي تشبه أحيانا أنظمة التجنيد والثكنات العسكرية، والتي تؤدي إلى تحطيم شخصية المرأة، وجعلها ضعيفة صامتة مستكينة قد تكره جنسها، وأم كهذه لا يمكن إن تربي أجيالا صحيحة.
وقد تصبح ثائرة متمردة ناقمة على المجتمع، وقد تحلم بأن تغادر يوما لتنعم بالاحترام والاستقلالية..!
مع سنوات الدراسة الأولى، توضع أنظمة متشددة وقوانين بالية على زي الفتاة الصغيرة، فتجبر على ارتداء (مريول) مدرسي (وألوان باهته كئيبة)، لا يراعى فيها الاختلافات المناخية بين مختلف مناطق المملكة من حارة وباردة، (يمكن أن يكون هناك زي محتشم وجميل في نفس الوقت)-، ثم يطلب منها ارتداء اللون الأسود للحذاء، ولو أرادت أن ترتدي لونا مشابها للون الزي أو حتى لونه أبيض فإنها قد تجبر على خلع الحذاء والسير حافية! كما حدث لإحدى الطالبات أيام الدراسة!
ثم نأتي إلى أشرطة الشعر والتي يجب أن تكون أيضا سوداء أو بيضاء، وأي طالبة تخالف هذا النظام يمكن أن تحرم من الحصص الدراسية، وأن تهان أمام الطالبات في طابور الصباح، وأن تصادر أشياؤها أمام عينيها ولا تعاد إليها!
ثم إذا كبرت قليلا تستمر الأنظمة السابقة، ويضاف إليها حكاية العباءة على الرأس! والتي لا اعرف لماذا الحجاب يجب أن يكون (عباءة)، وأن يكون (أسود)! وإذا قبلنا بهذا كونه جزءا من تقاليد البلد، فلا أستطيع أن أفهم حكاية وجوب كونه (على الرأس)! هل هو أستر؟ لا أظن فأنا لا أزال اذكر كيف كان يتساقط من على رؤوسنا ونتساقط نحن معه حين نتعثر به!
وطبعا تتم عمليات مباغتة وتفتيش وعمل استعراض عسكري للفتيات وهن بالعباءات تشرف عليه مديرة المدرسة، وتقرر من التي عباءتها على الرأس ومطابقة للمواصفات القياسية؟ فهذه تمر أما الأخرى فتحتجز حتى يبت في أمرها، ويمكن أن تمضي ثلاث ساعات تحت الشمس في ساحة المدرسة، في إجراء يشبه الإجراءات المتخذة ضد الجنود الذين يخالفون الأوامر في الجيوش النظامية!
وإذا كبرت الفتاة فأمامها خيارات إما الجامعة أو الكلية أو معاهد المعلمات. وإذا استثنينا (جامعتين تقريبا) فإن ما يحصل في هذه المؤسسات التعليمية (!) يتنافى مع حقوق الإنسان على ما أظن!
فلا يوجد أي احترام لكون الفتاة التي تدرس هي امرأة ناضجة تقريبا، وأنها قد تكون أما ومسؤولة عن تربية أبناء،حيث يتعاملون معها بطريقة لا تختلف كثيرا عن طريقة تعاملهم معها عندما كانت في الصف الأول الابتدائي، إذ لا يزالون يتحكمون في طريقة تنفسها ،ويحددونها بألوان معينة، وبشكل معين، وموديل معين ،لا يتناسب مع طبيعة بلادنا الحارة ولا مع اختلاف طبيعة الجسد من امرأة لأخرى في هذه السن، وتتفنن المسؤولات عن الأمن في التشديد في التطبيق، وفي الاعتراض على اللون والشكل، لدرجه تجعل الفتيات يترحمن على الزي الموحد!
العجيب أن هذا التشدد في مجال لباس الفتاة في المنشآت التعليمية، في حين أن جميع مؤسساتنا التعليمية نسائية خالصة، ولا وجود لشبح رجل فيها! فلمَ كل هذا التشدد؟! وكيف تسمح به الجامعة..
ولو عدنا للحديث عن المؤسسات التعليمية العالية بصفة عامه، فإننا نجد تدقيقا فظيعا في موضوع البطاقة الجامعية في الدخول والخروج، ويمكن أن تحرم طالبه لديها امتحان نهائي من حضوره لو نسيت البطاقة الجامعية، وكل ذلك يرجع لمزاج مسؤولة الأمن التي قد تتعنت حتى لو كانت متأكدة من ان هذه طالبة جامعية تراها كل يوم!
أما لو أتينا إلى طالبات السكن الجامعي، فمعاناة أولئك الفتيات معاناة مختلفة ومرهقة ,فلا يكفي حرمانهن من أي ترفيه أو خروج أو دخول (تخيلوا أن يظل المرء لثلاثة أشهر تقريبا دون أن يغادر باب المنزل إلا للجامعة!!)، وصعوبة الاتصال بالأهل (قبل عهد الجوالات) والوحدة القاتلة، يضاف إلى هذا غياب وسائل التعليم الضرورية مثل الكمبيوتر والإنترنت وأحيانا حتى المكتبات!
تخيلوا طالبة حاسب آلي تدرس مادة عن الشبكات ومطلوب منها واجبات وبحوث من الشبكة، ومع ذلك لا يوفر لها السكن هذه الأداة! حتى وإن تقدمت بطلب مختوم من كليتها وقسمها وأستاذتها فلن يشفع ذلك لها!
فالإنترنت شر مستطير، ووباء كبير ولا يجب أن يتواجد عند الفتيات أصلا! فلماذا كل هذا التعنت ضد الشابة السعودية وخاصة في أماكن التعليم التي المفروض أنها أماكن تحترم المرأة وتقدرها وتحرص على صقل شخصيتها وتنمية ثقتها بنفسها؟!
ولا يوجد أي نواد رياضية خاصة بها فلا تمارس أي رياضة فلا توجد حتى رياضه للبنات في المدارس، وكأن المهم هو صحة الأولاد فقط!، مع العلم بأن الأبحاث تؤكد أن حاجتها للرياضة أكبر حيث أنه يساعدها مستقبليا في الحصانة ضد مرض هشاشة العظام الذي يصيب المرأة بعد الخمسين.!
أنها ليست دعوة للتحرر لأننا رأينا بأم عيننا المرأة الايرانيه (بشادورها) الذي يشبه العباءة، تركب الخيل وتجدف القارب وتبارز بالسيف وتمارس الرماية وقيادة السيارة وهي في كامل الاحتشام.
وكما لا يوجد مكتبات عامه خاصة بها حتى في المدن الكبرى، أما المكتبات الخاصة بها داخل مؤسساتها التعليمية فحالها محزن جدا، ونادرا ما وجدنا الكتاب الذي نريده فيها ودائما نضطر إلى الاستعارة من مكتبات قسم الطلاب.
والمحزن أنه يوجد مجلس أعلى للبترول وللسياحة ولا يوجد مجلس أعلى للمرأة أو للأسرة؟!
إننا لا نريد الاختلاط فلماذا لا تنشأ لنا مرافقنا الخاصة بنا؟!
هناك نوعان من القوانين : نوع مكتوب تفرضه الدولة والمسؤولون وهو ما عبرت عنه مقالتي حتى الآن والنوع الآخر غير المكتوب وهو نظرة المجتمع وهذا أشد سوءا.
أعود فأكرر لماذا ؟!
لماذا لا تعطني فرصة لأخدمك وأرد جميلك ولكي أجعلك فخورا بي في أي مجال أحب؟
لماذا لا أستطيع أن أتمتع بالحياة في وطني ومرافقه السياحية والرياضية والثقافية؟
ألسنا جميعا شركاء في الثروة الوطنية؟
لماذا أنا محدودة في مقاعدي في التعليم ومحدودة في الوظائف التي يمكن أن أشغلها ومحدودة في راتبي ومحدودة في تقاعدي (لا يوجد تقاعد للمرأة أصلا)؟!
متى ..متى ..متى يا وطني تفتح لي أبوابك؟
مرام عبدالرحمن-جدة