تناقلت وسائل الإعلام تقرير معهد واشنطن للأبحاث المعلومات القيمة والأرقام الدقيقة عن أعداد الطلبة الأجانب الذين يدرسون في المرحلة الجامعية وفوق الجامعية في الجامعات والمعاهد الأمريكية ومناطق قدوم هؤلاء الطلاب من الناحية الجغرافية والقارية حيث ان التقرير وضع من أجل رصد نوعية الطلبة والدول التي ابتعثتهم للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث كانت القارة الآسيوية هي الدول الأكثر عدداً من الطلاب في الجامعات الأمريكية حيث احتلت الهند المرتبة الأولى في أعداد الطلاب القادمين للدراسة في الجامعات الأمريكية والتي بلغ عددهم 66836طالباً وطالبة ثم تأتي الصين الدولة التي طالما احتلت المرتبة الأولى حيث انحدرت إلى المرتبة الثانية بأعداد الطلاب والطالبات وصل إلى 63211ثم كوريا الجنوبية 49046طالباً وطالبة ثم اليابان 46810طلاب وطالبات ثم تايوان 28930طالباً وطالبة وكندا 26514طالباً وطالبة ثم المكسيك 12518طالباً وطالبة وتركيا 12091طالباً وطالبة واندونيسيا 11614وتايلند 11060، وذكر التقرير أن عدد الطلاب القادمين من جميع دول الشرق الأوسط يبلغ 7% فقط من أعداد الطلاب الأجانب في أمريكا مقارنة 50% من الطلبة الأجانب قادمون من آسيا ويحتل الطلبة القادمون من أوروبا نسبة 14% فيما تحتل أمريكا اللاتينية 11% من الطلبة الأجانب الذين يدرسون في الجامعات الأمريكية.
إن القراءة المتمعنة في هذه الأرقام يمكن أن يعطي مؤشراً مهماً للاهتمام الأمريكي حول المناطق المختلفة من العالم وهدفها السياسي والاستراتيجي حيث ان أوروبا كانت القارة الأكثر ابتعاثا للولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة الستينيات من القرن الماضي ثم تبعتها اليابان ثم كوريا الجنوبية وتايوان حيث كانت أعداد الطلبة من هذه المناطق في تزايد مستمر حتى السبعينات من ذات القرن حيث كانت تهدف أمريكا من ذلك جذب أكبر أعداد ممكنة من الطلبة من أجل زيادة التأثير الاقتصادي والسياسي الأمريكي على هذه المناطق وخصوصاً في مجال منح هذه المناطق من خلال طلبة الابتعاث والطلاب الأجانب ثم بعد الانفتاح على الصين منذ عام 1970م حتى بداية التسعينيات كانت أعداد الطلبة من الصين أخذت بالتزايد المستمر حيث احتل الطلبة الصينيون المرتبة الأولى في احتلال المقاعد الدراسية في الجامعات الأمريكية تزامن ذلك مع ازدياد وأهمية الصين وتقاربها مع الغرب خصوصاً مع سياسة الانفتاح الصيني والاندفاع الأمريكي من أجل التأثير على التطور الاقتصادي الصيني الذي أخذ بالتوسع مع منتصف السبعينيات حتى اليوم ولذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت فتح المجال للطلبة الصينيين للالتحاق بالجامعات الأمريكية بأعداد كبيرة من أجل ترسيخ المفاهيم الليبرالية وأدوات الإدارة الرأسمالية من أجل تعزيز التغييرات الصينية صوب الاتجاه الغربي الليبرالي الأمريكي وعلى الرغم من أن نسبة من الطلبة الصينيين المتفوقين كانوا لا يعودون إلى الصين بعد حصولهم على الشهادات العليا إلا أن الصين كانت مستمرة في ابتعاثها وارسالها للطلبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية آملة في عودة العديد منهم وبقاء البقية البنية من أجل أن تكون جالية ولوبيا صينيا داخل البنية الثقافية الأمريكية مما دفع الأمريكيين إلى محاولة التخفيف من هذه الأعداد الهائلة للطلبة الصينيين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م حيث أخذت أعداد الطلبة من الصين بالتناقص السلبي مقارنة مع دولة مثل الهند التي أخذت أهمية استراتيجية واقتصادية للإدارة الأمريكية التي عملت على تعزيز التقارب مع الهند من أجل ايجاد توازن قوى اقليمي مع الصين وكان من أدوات هذه السياسة هو تعزيز وزيادة أعداد الطلاب الهنود للدراسة في الجامعات الأمريكية حيث يقوم هؤلاء الطلاب في نقل القيم الاقتصادية والثقافية والسياسية الأمريكية إلى الهند وعلى الجانب الآخر فإن هؤلاء الطلاب سوف يقومون بتقديم الدراسات المتتالية عن الهند في الجامعات الأمريكية مما يمهد لفهم واستيعاب أمريكي للهند وآلية التأثير عليها.
إن قراءة الأرقام في هذا التقرير تمكننا من فهم وتسليط الضوء على ثلاث حقائق رئيسية وهي:
الأولى: هو أن هناك تحركا في القارة الآسيوية في زيادة أعداد الطلبة وهذا التحرك يقوده البعد السياسي والبعد الاقتصادي والذي في نهاية المطاف يقوده البعد الاستراتيجي حيث انتقل الثقل لأعداد الطلبة من الصين إلى الهند وهو انتقال صاحبه كذلك انتقال في الاهتمام والاستراتيجية الأمريكية من الصين إلى الهند وهذا لا يعني أبداً ان الاهتمام الأمريكي في الصين تناقص بل ان اهتمام أمريكا في الهند ازداد وترسخ يكاد يتناسب ويتماشى مع أعداد الطلبة الدارسين من هاتين الدولتين إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع الابقاء مع أعداد ونسب الطلبة من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان على نفس أعداد الطلبة منذ فترة زمنية تزيد عن الثلاثة عقود من الزمن.. إذاً التغير والتحول في الحالة الصينية والهندية وإن كان لابد من ربطها في البعد الاستراتيجي الأمريكي فإن ذلك يكاد يتناسب ويتناسق مع التوجهات الاستراتيجية الأمريكية تجاه هذه الدول بشكل ملفت ودقيق إلى حد كبير.
الثاني: هو أن أعداد الطلبة القادمين من أمريكا اللاتينية لم يحدث لها تغيير كبير حيث ان نسب وأعداد الطلبة القادمين من القارة الأمريكية الجنوبية كانت بشكل أو بآخر نفس الأعداد ونفس النسب ويتماشى مع زيادة أعداد السكان ولكنه يطرح كذلك أن الاستراتيجية الأمريكية في أمريكا اللاتينية لم تتغير بل ان هناك اهمالا أمريكيا لهذه المناطق بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان يشكل الدعامة السياسية لبعض الحركات والأنظمة اليسارية في أمريكا اللاتينية.
الثالث: هو تناقص أعداد الطلبة القادمين من أوروبا حيث أن تأقلم الجامعات الأوروبية مع النظام التعليمي الأمريكي واستنساخه وكذلك جذب أعداد من الكوادر العلمية الأمريكية أو التي درست في أمريكا بالإضافة إلى الوحدة الأوروبية التي دفعت الأوروبي لاقتناص الفرص السانحة له في أوروبا بدل من الهجرة إلى القارة الأمريكية ولكن في كل الأحوال ان أعداد الطلبة القادمين من القارة الأوروبية للدراسة في أمريكا هي تتماشى وتتناسق مع التوجه الاستراتيجي الأمريكي الذي أخذ ينظر إلى أن المركز الآسيوي هو الطاغي على الهم الاستراتيجي والسياسي الدولي للعقود القادمة.
الرابع: هو التراجع الهائل بأعداد الطلبة من الشرق الأوسط وخصوصاً في الدول العربية حين تشكل إسرائيل نسبة كبيرة من الطلبة الشرق أوسطيين الذين يتلقون تعليمهم في الجامعات الأمريكية بينما أن أعداد ونسب الطلبة العرب هو في تناقص في النسب والأعداد والملفت للنظر أن أعداد الطلبة من الخليج العربي والذين يشكلون العدد الهام في نسبة الطلبة العرب الدارسين في الجامعات الأمريكية فإن هذه الأعداد هي في تناقص واضح كبير وأن هذه واحدة من الأخطاء الكبيرة التي سوف يكون لها جوانب سلبية على هذه الدول وأهميتها الاقتصادية وقدراتها الإدارية حيث ان الأعداد الكبيرة التي تخرجت من الجامعات الأمريكية ساهمت مساهمة قوية في البناء الوطني وأعطت الثقة الكبيرة في المشاريع الاقتصادية والبناء الإداري للمملكة العربية السعودية وأن نقصاً في أعداد الابتعاث سوف يكون له الجوانب السلبية.
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له