صدر قبل أيام في باريس كتاب بعنوان "حديقة الحيوان البشري" عن دار لاديكوفيرت.. لمجموعة من المؤلفين الذين استقصوا في البحث مجمل هذه الفترة المظلمة في تاريخ الغرب الاستعماري التي تجلت فيها وحشيته وعنصريته وإيمانه المطلق بتفوقه العرقي، والكتاب الذي نفدت طبعته الأولى من الأسواق بسرعة خاطفة يروي كيف كان المستعمر الغربي يقيم العروض الضخمة في باريس وبروكسل وبرلين وغيرها من العواصم وكبريات المدن الأوروبية، يعرضون أناساً من أفريقيا، من الهند، من الأسكيمو إلى جانب الحيوانات المفترسة، يعرضونهم عرياً في حدائق الحيوانات، ويقدم لهم اللحم النيئ كما يقدم للوحوش الأخرى. يأكل كل منهم اللحم على طريقته أمام أعين الجمهور الأوروبي السعيدة بهذه الاكتشافات التي حققها أبناؤها في غياهب العالم وأدغاله، يأتون بالآلاف للاستمتاع برؤية هذه الحدائق البشرية مما يضطر الدوائر المشرفة على هذه العروض إلى الاستعانة برجال الشرطة والجيش أحياناً كثيرة للحفاظ على النظام ولترتيب دخول "الناس" في طوابير ضخمة منذ الصباح الباكر إلى ساعة متأخرة من الليل.
وقد استمرت هذه العروض خلال القرن التاسع عشر وامتدت الى بدايات القرن العشرين أي أن باريس شهدت آخر العروض العلنية الضخمة في عام 1931وقد شمل العرض مجموعة من سكان كاليدونيا الجديدة التي مازالت إلى الآن مستعمرة أو "أرضاً فرنسية" كما يسمونها هنا بعد مائتي سنة من الثورة الفرنسية، ثورة "المساواة والحرية والإخاء".
وكان من الممكن أن تختفي هذه العروض من ذاكرة الغرب، لولا أنه يسجل كل شيء، مما أتاح لمجموعة من الباحثين والروائيين تناول هذه الظاهرة كجزء من قراءتهم لجذور العنصرية في الغرب وفي تاريخ الإنسان.
ونسيت الأغلبية من أبنائهم وأحفادهم هذه الاحتفاليات إلا من ينطبق عليهم المثل القائل "ينسى اللاطم ولا ينسى الملطوم" والملطوم هنا في ذاكرته وروحه هم أحفاد أولئك البشر الذي تم عرضهم إلى جانب الحيوانات المفترسة والأكثر توحشاً وفي أكثر من مدينة أوروبية.
ومن هؤلاء الأحفاد الذين لم ولن ينسوا اللاعب الكبير "كارمبو" أحد أعضاء المنتخب الفرنسي الذي كلما شدا رفاقه بالنشيد الوطني الفرنسي التزم الصمت أمام كاميرات العالم، وعندما يحتج الفرنسيون على هذا السلوك تكبر الغصة في حلقه ويكشف لهم صورة جده الذي كان أحد أبرز الوجوه التي تم عرضها في أكثر من حديقة حيوان.
والكتاب يعرض بصورة شجاعة بعض عورات الغرب وتوحشه، وما زال هناك بالتأكيد عورات أخرى في الطريق إلى القارئ والمشاهد، والغرب بهذه التعرية يبحث عن علاج لأمراضه التي لا يخفيها عن أحد. ولعل في هذا المسلك إحدى الدلائل على تفوق علمي ونفسي يعيشه الغرب، لأنه يؤمن أن ليس أكثر خطورة من المرض نفسه إلا اخفاءه والتستر عليه إلى أن يتحول إلى ما يشبه الموت الجماعي.
أسود على صهوات الجياد .. عرض مقززتشهد الصين تنظيم عدد من العروض الغريبة، من دب يركب دراجة إلى أسد ونمر يمتطيان صهوة جواد. ففي واحدة من الحدائق سيئة السمعة شهدت جموع المتفرجين عرضاً غريباً لأسد يبلغ ...