OLD

آفاق النت

لم تشغل أوقات فراغه

فهد عبدالله اللحيدان

    تجاوز عمره الأربعين عاماً، يعمل في احدى الوظائف الحكومية الهادئة، فوظيفته لا تتطلب العودة إليها في المساء، ولا يرهق ذهنه التفكير فيها خارج ساعات العمل، ولا يشغل باله بعد الدوام إلا الفراغ الطويل الذي يجثم على صدره.. فأموره العائلية مستقرة وطلبات ابنائه محدودة.. وزوجته قنوعة.. وتؤثر ألا تأخذ من وقته.

وقد حدثني بذلك قبل مدة من الزمن وصرح لي بأنه "يرى ان التعدد هو السبيل الأمثل لسد أوقات فراغه وأن التعدد سيجعل لحياته طعما آخر.. وانه لديه المقدرة المالية والجسدية والنفسية لتحقيق هدفه".

لم ينتظر مني.. رأياً وبدأ يسرد لي عدة محاولات له كادت ان تتم في الارتباط بزوجة أخرى، ولكنه كان كثير التردد.. فيبدأ باندفاع، ثم يحجم في اللحظات الأخيرة وطبعاً يبرز هذا الاحجام بحجج شتى.. ولكنها في الحقيقة هي صعوبة اتخاذ القرار لديه وخوفه من تغير الحال.

وبعد الاستماع طويلاً لهذه المحاولات، قلت له يبدو أنك تعاني من المراهقة المتأخرة، التي تدفعك إلى البحث، وإلى التفكير في الزواج، ولكن حكمة السن لديك تمنعك في اللحظات الأخيرة من المضي في مشاريعك.

فأجاب: قد تكون على حق، فما العمل؟

قلت له: إذا انس الموضوع، فالتعدد قد لا يحل مشكلة الفراغ لديك، وتستطيع ان تجرب طعم الحياة بالنظر إليها من منظار آخر، وبالمشاركة التطوعية في جمعيات النفع العام، أو بتكوين دائرة من الأصدقاء وغير ذلك.

وإن كنت تؤثر الهدوء.. فقد يكون الانترنت جليسك الهادئ والمفضل، والذي من خلاله قد تعبر أرجاء العالم فتستفيد وتشغل وقت فراغك وتكبح جماع مراهقتك.

واستمرت عملية الاقناع لعدة لقاءات، ثم استجاب في النهاية وبعد عدة أشهر اتصل بي ودعاني لزيارته في منزله لكي يطلعني على جهازه الحاسوبي ومهاراته في استخدام الانترنت.

واستجبت لزيارته - وأدخلني إلى غرفة مكتبه واستعرض أمامي الكثير من مهارات التعامل مع وسائل الإنترنت في التصفح والبحث والبريد الالكتروني وغيرها. وشعرت بامتنان وأنا أسمع كلماته اللطيفة التي يشكرني فيها بأنني أرشدته إلى وسيلة ملائمة للاستفادة وشغل أوقات فراغه.

ولكن قبل أن يغادر كرسي الجهاز أشار إلى محتويات "المفضلة" في برنامج التصفح في جهازه.. وبدأ يستعرضها أمامي فدهشت وأنا أرى "ملفاً" يحتوي على مواقع عربية تهتم بقضايا الزواج.

واستفاض في الحديث عن هذه المواقع وحين سألته عن استخدامه لخدمات تلك المواقع قال نعم وجدت هذه المواقع تعرض علي خيارات كثيرة.

واحسست بأنه غارق إلى أقصى شعرة في رأسه بالمغامرات الالكترونية في البحث عن الزوجة الجديدة من خلال هذه المواقع، وخرجت من عنده وأدركت انني لم أفلح في شغل أوقات فراغه بإرشاده إلى الانترنت ولكنه وجد وسيلة جديدة للاستمرار في محاولاته القديمة.