** لم يكن الصديق الفنان علي القحيص.. مدير مكتب رئيس التحرير ليبتعد عن الصواب.. وهو يقترح في حـديث خــاص دار بيني وبينه.. على بعض المحطات التلفزيونية العربية.. التي لم تستطع بعد.. مجاراة وقائع
الصراع مع العدو الصهيوني.. ان تضع على شاشاتها مشهد دمعة ساخنة.. من تلك التي تستمطرها عيون الأمهات في فلسطين.. أو عيون أطفال النضال.. الذين يقاومون بالحجر جبروت الآلة العسكرية الإسرائيلية.. وتتوقف عن البث..خجلاً على الأقل!
** كان علي حانقاً.. وهو يتأمل ذلك التزامن الذي يكشف سوءاتنا بين بث فيلم المتهم.. وهو فيلم وثائقي انتجته محطة الـ(B.B.C) عن مجرم الحرب ورئيس الوزراء في إسرائيل.. واستطاع ان يثير حفيظة الرأي العام العالمي.. بشــكل لم يسبق له مثيل.. كما لو أن دماء الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا لم تجف بعد.. وهو ما فشل فيه إعلامنا العربي عشية المذبحة.. وبين ما كانت تبثه بعض المحطات العربية التي يُفترض أنها الأقرب لهذه الهموم.. حيث كانت احداها تبث برنامجاً استعراضياً عارياً إلاّ من اللحم الرخيص للراقصة فيفي عبده.. على أنغام مطرب (الطشت قال لي) و(السح الدح امبو).. في نفس الوقت الذي كان يبث فيه فيلم المتهم!!.. فيما كانت المحطة الأخرى.. تقدم برنامجاً آخر عن فنون الرقص بدءاً برقص الباليه والصالونات.. وانتهاء بالرقص الشرقي التليد!!.. لينتهي الفيلم الوثائقي بالأغنية التعبوية الشهيرة (وين الملايين).. التي واكبها عدوية في برنامج فيفي اليعربي بأغنية (نقبشندي دبح كبشه)!!
.. وحــتى ان كان هذا التزامن.. وليد الصــدفة لا أكثر.. فـإنه في النهاية.. صــورة فاضحة للمتهم الحقيقي.. الذي يروج لثقافة (الوحدة ونص) على حساب ثقافة النضال.. وبعيداً عن قضية التزامن.. فإن عملاً مثل فيلم المتهم.. والتي تبنته مؤسسة غربية للأسف.. نعرف سلفاً انها ستفعل الشيء نفسه فيما لو كان بوسعنا أن نلطم اسرائيلياً واحداً.. كان قد كشف هلامية كل ذلك العبث الإعلامي.. الذي توهمنا نضالياً.. بقطع النظر عن نضال فيفي وعدوية طبعاً.
.. لكنني مع هذا سأعتقد ان الأمر لا يعدو خلافاً في استيعاب مفهوم (التعرية) بين هذه المؤسسة الإعلامية الغربية.. وبعض مؤسساتنا العربية.. فإذا ما كان الفيلم قد عرّى هذا المجرم.. وأظهره أمام العالم بيديه الملطختين بدماء الأبرياء.. فإن سهراتنا الإعلامية.. أيضاً تمارس التعرية ـ وكلاهما تعرية!! غير أن الفرق.. ان كان هنالك فرق.. هو أن أي مشاهد على وجه الأرض.. بات يعرف شارون القاتل المحترف.. عارياً من ألقابه العسكرية والسياسية.. مثلما نعرف نحن عدد الشامات على صدر وظهر و.... الراقصة المصون.. وهي ثقافة ندين بها تماماً لإعلامنا العربي الواقف والمرابط على خط النار والمواجهة بصدور الراقصات!
.. تـرى بعد هذا.. من هو المتـهـم؟ قطعاً ليس هو شــارون.. لأنه بالنسبة لـنا مُـدان فوق مســتوى الشبهات.. حـتى وإن اكـتـفى الفيلم الغربي بوصفه هكذا.. إذن لابد من البحث عن ذلك المتهم.. الذي جرّ قدم هنري كيسنجر.. وزير الخارجية الأمريكي الأسبق.. ذات يوم وفي احدى زياراته للقاهرة ـ ليطلب مراقصة نجوى فؤاد!! بل لابد من البحث عن ذلك المتهم.. الذي فشل في تقديم الصورة الحقيقية لأنهار الدم التي سالت على مسافة الصراع في تلك الـمجـازر المتـعاقبة.. أمام الرأي العام العالمي.
.. قطعاً هي مسئولية الإعلام.. الذي تخندق رغم عدالة قضيته.. ورغم بشاعة الانتهاكات ضدها.. في زواريب الــكبـاريهات ـ ومصـاطب الـرقص.. حـتى أصبح غياب مناضل كبير.. بحجم فيصل الحسيني.. رحمه الله.. لا يضاهي أنه تـوجـع صدرت عن الساندريللا سعاد حسني.. فضلاً عن حدث انتحارها.
.. هذا ما يصنعه الإعلام بنا.. وبهذه الأجيال التي نعلّق عليها أمل استرداد فلســطين إلـى الحظيرة العربية والإسلامية!!