بحث



OLD

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


تسليم ميلوسيفيتش في ضوء القانون الدولي

عبدالجليل زيد مرهون
    * يمكن النظر الى تسليم الرئىس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش الى محكمة العدل الدولية في لاهاي باعتباره نصرا كبيرا للعدالة الدولية؛ فقد شهدت السنوات العشر الماضية سلسلة طويلة من الجرائم التي ارتكبها ميلوسيفيتش خلال الحرب في البوسنة والهرسك وكرواتيا، وبعد ذلك في كوسوفو. وهذه الجرائم كافية لتسليمه للعدالة الدولية ومحاكمته كمجرم حرب وكمجرم بحق الانسانية وبحق السلم الدولي.

ويعد نظام تسليم المجرمين من ابرز صور التعاون الدولي في مجال المعاقبة على الجرائم الدولية التي يرتكبها الافراد، وهو نظام الغرض منه كفالة عدم افلات المجرم من العقاب اذا ما انتقل من منطقة الى اخرى، او اذا ما وجد نظاما سياسيا يتستر على جرائمه او يسعى لابعاد الطابع الدولي عنها.

ليس هناك اتفاق كامل في الفقه الدولي العام بشأن التعريف المحدد للجريمة الدولية، ولذا يمكن التميير بين اكثر من رأي في هذا الخصوص، طبقا لرأي اول، فإن الجريمة الدولية هي افعال خطرة للغاية يكون من شأنها احداث الاضطراب في امن الجماعة الدولية ونظامها العالم. وطبقا لرأي ثان فإن الجريمة الدولية هي التي يترتب على وقوعها إلحاق الضرر بأكثر من دولة. وطبقا لرأي ثالث، الجريمة الدولية هي تصرفات مضادة للقواعد القانونية الدولية.

والجريمة الدولية، بهذه المعاني المتعددة وبوصفها عملا غير مشروع، تختلف عن التصرفات الدولية غير المشروعة التي تصدر احيانا عن الدول في نطاق علاقاتها المشتركة؛ فمخالفة التزام دولي معين لا يعني بالضرورة اننا نكون بصدد جريمة دولية. وقد بذل الفقه الدولي جهدا كبيرا من اجل تصنيف الجرائم الدولية استنادا الى مجموعة من المعايير، ومن اهم هذه التصنيفات ما ذهب اليه ديبوي من تقسيم الجرائم الدولية بحسب مرتكبها، فبحسب رأيه هناك نوعان من الجرائم الدولية: جرائم دولية ترتكبها الدول بصفتها هذه، ومن امثلتها الحرب العدوانية. وجرائم يرتكبها الافراد كالقرصنة واختطاف الطائرات.

ومن الزاوية الفقهية، ميز القانون الدولي العام بين الجريمة الدولية والارهاب الدولي، معتبرا الثاني جزءا من الاول. وتم تعريف الارهاب الدولي باعتباره نوعا من انواع العنف غير المشروع، هدفه إثارة الذعر والرعب والفزع والرهبة لدى شخصيات عامة أو مجموعات من الأفراد أو ترويع الجمهور عامة. وهو يمكن أن يكون من عمل دول أو جماعات منظمة، أو أفراد منعزلين، وهو إهدار للحريات الاساسية، وخرق فاضح لحقوق الانسان، وتهديد خطير لعلاقات التعاون بن الدول والشعوب وللتعايش بين البشر وللسلام والأمن في العالم.

وقد امكن التوصل في العام 1973م الى اول اتفاقية دولية لمواجهة ارهاب الافراد والجماعات وهي اتفاقية جنيف لمنع ومقاومة الارهاب. ويعني الارهاب حسب الاتفاقية "اعمالا اجرامية موجهة ضد دولة ما، يكون الهدف منها اثارة الرعب لدى اشخاص معينين او جماعات من الاشخاص او لدى العامة". وفي العام نفسه امكن التوصل الى اتفاقية اخرى لإنشاء محكمة جنائية دولية تختص بمحاكمة الافراد المهتمين بأعمال ارهابية. ولكن ايا من الاتفاقيتين لم تدخل حيز التنفيذ بسبب عدم الارتضاء النهائي للالتزام بهما من العدد المطلوب من الدول.

ووفقا للتعريفات سابقة الذكر، فإن اي شخص يدان بتهمة ارتكاب جريمة دولية يمكن وصفه على انه ارهابي دولي.

جرائم الحرب هي الجرائم التي ترتكب ضد قوانين واعراف الحرب، وهي تشمل الاغتيالات وسوء المعاملة وتهجير السكان المدنيين في الاراضي المحتلة للعمل الجبري او لأي هدف آخر، وقتل اسرى الحرب او معاملتهم معاملة قاسية وقتل الرهائن، ونهب الأموال العامة او الخاصة، وتدمير المدن والقرى، والهدم الذي لا تبرره المقتضيات العسكرية.

أما الجرائم ضد السلم الدولي فتشمل التخطيط لحرب عدوانية او حرب ترتكب على خلاف المعاهدات او الاتفاقيات او المواثيق الدولية، او الاعداد لهذه الحرب او الشروع فيها او شنها. كما تشمل الاشتراك في خطة او مؤامرة مشتركة لارتكاب احد الافعال السابقة.

وتشمل الجرائم ضد الانسانية قتل المدنيين او ابادتهم او تهجيرهم او اي اعمال غير انسانية ترتكب ضدهم قبل الحرب او خلالها، وكذلك افعال الاضطهاد المبنية على اسس عنصرية او دينية او سياسية ترتكب تبعا لجريمة ضد السلام او جريمة حرب او كانت ذات صلة بهما.

وفيما يتعلق بميلوسيفيتش، تتمثل الجرائم التي ارتكبها والمصنفة كجرائم ضد الانسانية في عمليات التصفية العرقية والقتل الجماعي الذي مارسه ضد مسلمي كوسوفو، وفي العمليات المماثلة التي حدثت في البوسنة والهرسك والتي ثبت تورط نظامه فيها عبر دعم ورعاية المليشيا الصربية هناك.

أما الجرائم التي نفذها ميلوسيفيتش والمصنفة كجرائم ضد السلم الدولي فتتمثل في تسببه في تفجير حرب البوسنة والهرسك، ودفعه باتجاه التدهور الخطير للوضع الامني في كوسوفو وما رافق ذلك من تداعيات على الامن الاقليمي في عموم البلقان.

أما الجرائم الموجهة لميلوسيفيتش والمصنفة كجرائم حرب فهي عديدة وتكاد تشمل كافة صنوف هذه الجرائم، بل ان المجتمع الدولي قلما شهد مثيلا للممارسات التي ارتكبها ميلوسيفيتش ونظامه في هذا الصدد منذ الحرب العالمية الثانية، وبالتأكيد فإن اوروبا لم تشهدها منذ اكثر من نصف قرن.

بيد ان المشهد الذي لم يسدل عنه الستار كاملا في هذه الجرائم هي قضية الاسرى المسلمين إبّان حربي البوسنة وكوسوفو، الذين ذهب العديد منهم ضحية القتل الجماعي وتم دفنهم في مقابر جماعية سرية لم تكتشف كاملة بعد.

ويمكن الجزم بأن القوانين والقواعد التي تنظم المركز القانوني لأسير الحرب لم تر النور ابدا في هاتين الحربين.

ومن الزاوية التاريخية، جاءت الخطوة الاولى في تقنين قواعد معاملة الاسير مع انعقاد مؤتمر لاهاي للسلام في العام 1907، حيث تضمن الفصل الثاني من اللائحة الملحقة بالاتفاقية الرابعة عدة نصوص تحكم هذا الموضوع وتحدد القواعد التي تنظمه. وعلى الطريقة نفسها، واستكمالا لما تم التوصل اليه في مؤتمر لاهاي، عقدت اتفاقية جنيف في 27تموز يوليو من العام 1929الخاصة بتحسين خروج اسرى الحرب من حالة الاسر التي وقعوا فيها. كما عقدت في هذا السياق ايضا اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة الاسرى في 12آب ـ اغسطس ـ من العام 1949لتكمل ـ هي والبروتوكول الاضافي الذي الحق بها والذي وقع في العام 1977ـ اوجه النقص في الخطوات التنفيذية السابقة بالنسبة لكل ما يتعلق بقانون الحرب.

وطبقا للقواعد التي تضمنتها الاتفاقية المشار اليها، وبالنظر الى ان الغرض الاساسي من وراء حجز الاسرى يتمثل في الحيلولة دون استمرارهم في العمليات القتالية املا في اضعاف قوات العدو، لذا اوجب القانون الدولي العام على الدولة التي تقوم قواتها المقاتلة باحتجاز الاسرى معاملتهم انسانيا تتمثل اساسا في مراعاة ان احتجاز الأسير ليس جزءا يوقع عليه او انتقاما منه، وانما هو فق ـ وكما سلف القول ـ وسيلة لإضعاف قوات العدو. وعلى الدولة المعنية حماية الاسرى ضد اعمال العنف او الامتهان من جانب سلطاتها او العناصر المتشددة التابعة لها، ويدخل في ذلك كفالة الاحترام اللازم للاسرى سواء فيما يتعلق بأشخاصهم او شرفهم ايضا. وغني عن القول ان كافة هذه القواعد قد تم نسفها في سلوك ميلوسيفيتش ونظامه. واليوم، فإن الاساس الذي يجب ان ترتكز عليه محاكمة ميلوسيفيتش في لاهاي لابد ان يتمثل في كونه مجرم حرب كبير.

ومن الزاوية القانونية، ورد النص لاول مرة حول امكانية محاكمة ومعاقبة كبار مجرمي الحرب في معاهدة فرساي التي تم التوصل اليها بعد الحرب العالمية الاولى؛ اذ قضت المادة 227من المعاهدة بمحاكمة ومعاقبة امبراطور المانيا ولهلم الثاني وافراد القوات المسلحة الالمانية، غير ان الحلفاء لم يقوموا بتطبيق هذا النص وبقي الاشخاص المعنيون دون معاقبة.

وطبقت فكرة الولاية الجنائية الدولية لاول مرة بعد الحرب العالمية الثانية، حينما تم انشاء محكمتين عسكريتين دوليتين احداهما ـ محكمة نورمبرغ ـ لمحاكمة كبار مجرمي الحرب من دول المحور الاوروبية، والثانية محكمة طوكيو ـ لمحاكمة كبار مجرمي الحرب في الشرق الأقصى. وقد نشأت المحكمة الاولى بموجب اتفاق لندن بين كل من الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية وحكومات كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفياتي. اما الثانية فقد تقرر انشاؤها في تصريح مشترك صدر في العام 1946م عن القيادة العليا لقوات الحلفاء في الشرق الاقصى. وقد اتهم كبار مجرمي الحرب امام المحكمتين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية واخرى ضد السلم الدولي.

وقد اسفرت محاكمات نورمبرغ عن الحكم على اثني عشر شخصا بالاعدام، في حين تقرر سجن بقية مجرمي الحرب، اما محاكمات طوكيو فأسفرت عن تجريم خمسة وعشرين شخصا حكم على سبعة منهم بالعقوبة القصوى.

والواقع ان محاكمات مجرمي الحرب في نهاية الحرب العالمية الثانية قد اضافت بعدا جديدا الى الجهود الرامية لتعزيز قوانين الحرب، غير ان هذا التطبيق الخاص للولاية الجنائية الدولية امام محاكم نورمبرغ وطوكيو، قد وجد لظرف مؤقت معين، وللقيام بمهمة معينة هي الحرب العالمية الثانية، ولم يحدث ان عوقب اي من مجرمي الحرب في اي من الحروب التالية. وقد باءت بالاخفاق كافة الجهود الرامية الى انشاء قضاء جنائي دولي، وتلك الرامية الى اعداد مدونة للجرائم المخلة بسلام الانسانية ذاتها.

اما محكمة العدل الدولية، التي يحاكم امامها اليوم ميلوسيفيتش، فتعد احد الاجهزة الرئيسية الستة للامم المتحدة، شأنها في ذلك شأن كل من "الجمعية العامة، مجلس الامن، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مجلس الوصاية، الامانة (المادة 1/7من الميثاق). كذلك، فإن المحكمة تعتبر ـ طبقا لنص المادة 92من الميثاق، وكذا طبقا لنص المادة الاولى من نظامها الاساسي ـ الجهاز القضائى الرئيسي للامم المتحدة، وهي تقوم بعملها وفق نظامها الاساسي الملحق بالميثاق والذي يعتبر جزءا لا يتجزأ منه، وقد اختلفت محكمة العدل الدولية عن سابقتها "المحكمة الدائمة للعدل الدولي" حيث كان النظام الاساسي لهذه الاخيرة بمثابة وثيقة او معاهدة دولية مستقلة تمام الاستقلال عن عهد عصبة الامم. وقد ترتب على هذا الوضع الخاص لمحكمة العدل الدولية في علاقتها بالامم المتحدة نتيجة مهمة مؤداها ان اعضاء هذه المنظمة يكونون في الوقت نفسه ـ ودون حاجة الى اي اجراء خاص ـ اطرافا في النظام الاساسي للمحكمة. والحقيقة، ان محكمة العدل الدولية لم تعمل بوصفها جهازا من اجهزة الامم المتحدة وحسب، وانما عملت بوصفها جهازا للقانون الدولي ايضا؛ فهي لا تعطي فقط آراء إفتائية لأجهزة الامم المتحدة، ولكن تصدر احكاما بشأن المنازعات التي ترفعها اليها الدول بصفتها هذه ايضا.

وكما هو الحال بالنسبة للمحكمة الدائمة للعدل الدولي التي قامت خلال الفترة بين 1920و1946م، تتكون محكمة العدل الدولية من 15قاضيا يتم انتخابهم من بين رعايا الدول الاطراف في النظام الاساسي، وبشرط الا يتضمن تشكيل هيئة المحكمة اكثر من عضو واحد من رعايا دولة بعينها. وقد نصت المادة 2من النظام الاساسي على وجوب ان يكون القضاة المنتخبون من ذوي الصفات الخلقية العالية والحائزين في بلادهم على المؤهلات المطلوبة للتعيين في ارفع المناصب القضائية. ويراعى عند انتخاب القضاة، وجوب تمثيلهم للنظم والثقافات القانونية الرئىسية في العالم.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية