الناس هنا وهناك ليست مبررات توثيق الصلة بينهم، إنهم يحتاجون إلى بعضهم ولكنهم في حقيقة الأمر يحبون بعضهم..
الناس هنا يذكرون "لليمني" حيويته رجل مال أو عمل، والناس هناك يدركون جيداً أن السعودي هو الأقرب لتوثيق تطور تنموي موجودة كل مبرراته وأدواته..
عندما كنت في اليمن أثناء احتفالات الوحدة مع عدد ليس بالقليل من الصحفيين السعوديين لمست ولفت انتباه من حولي تلك الحيوية المفرطة بالترحيب.. في الفندق وقد استعانت مواقع سكن الضيوف بعدد غير قليل من الطلبة والموظفين، وكان هؤلاء في نظراتهم وعباراتهم يجددون في كل ثانية تلك الصور من الاحتفاء التي تبذلها أسرة الغائب حين يعود..
ذهبنا ذات يوم إلى بوابة اليمن حيث الطريق إلى سوق الملح وسوق السبح حيث تباع المعروضات الفلكلورية من طعام وثياب وعقيق وقلائد، ولم يكن بيننا رجل واحد معروف بملامحه عند عامة الناس هناك، ومع ذلك فقد انصرف لنا ذلك الحشد الكبير من الناس الذي كان يوالي متابعة تحركات الوفود الرسمية بتصفيق حاد متواصل لم يكن موجهاً إلى أشخاصنا غير المعروفة عندهم بقدر ما كان موجهاً للزي .. للصفة السعودية التي كنا نتحرك بها..
أولئك هم نحن.. أولئك هم العمق اليمني البشري الذي لم يدخل أي دكان سياسي ولم يتلوث بعد بعمليات غسل الذهن العربية التي أفسدت كثيراً من الشعوب ... أولئك هم الذين حين تنشط بعض عمليات تبادل العتاب بين الصحف أحرص من أجلهم ألا تحمل "الرياض" أي تجريح أو أي تناول كاذب وغير أخلاقي، وكانت جريدة الثورة في صنعاء تتعامل بنفس الأسلوب وكأننا معاً نتبادل مهمة محاولة تطوير كل عتاب لئلا ينقلب إلى تجريح، والابتعاد عن الابتذال هو في الحقيقة سلوك متواصل لدى الصحيفتين.
الرئيس اليمني علي عبدالله صالح هو رجل لمّاح وقوي لا تنقصه شجاعة القرار ولا ذكاء قراءة الأحداث والأشخاص.. كنت على بعد بضعة أمتار عنه وهو يشارك في أعمال الحزب وسط حضور جماهيري كبير، وكان دون حواجز يدير ذلك الحضور بمهارة توغله داخلهم وذكاء فتحه لخطوط الاتصال معهم.. وحين اجتمعت به لإجراء حديث صحفي تناول كثيراً من الأمور العربية مما لم ينشر حيث ورد على هامش الحديث.. كان في ذلك التناول يتحرك من واقع إدراك شمولي لحقيقة الأوضاع العربية، لكنه يختلف عن القادة الآخرين أنه غير متفرغ لعلاج شؤون الخارج فقط، حيث في الداخل تدعوه مهمات كثيرة تتعلق بالأمن ومستويات المعيشة وتأكيد الوحدة الوطنية.
بقدر ما يمثل ما حقق شجاعة تدعو إلى التقدير بمحافظته على الوحدة، فقد أنجز بمعاهدة الحدود عملاً هو بالاشتراك مع القيادة السعودية يتعامل مع المستقبل تجاه أجيال قادمة لن تعذرنا ونحن ندرك هلامية العلاقات العربية وشغل القيادات بخصومات الإلهاء فيما العالم يكبر بالدقيقة والساعة علمياً واقتصادياً وصناعياً بما في ذلك إسرائيل، ثم لا نفعل شيئاً لتلك الأجيال.. هذا العمل الذي أنهى خلافاً طال أمده، إنما يعلن ميلاد قوة عربية جديدة بداخلها كل روافد تصعيد القوة الذاتية تمكيناً لتلك الأجيال من أداء دورها المأمول..