إن إثارة الشبهات حول القرآن الكريم ليست مسألة جديدة بل هي قديمة قدم رسالة الإسلام، فمنذ فجر الدعوة عندما بعث النبي محمد بدأ المشركون في الطعن في القرآن وإثارة الشبهات حوله، صحيح أنها شبهات وطعون ساذجة كسذاجتهم لكنها كانت المحاولات الأولى للنيل من القرآن والتهوين من شأنه، فوصفوه بأنه شعر وسحر، وبأنه أساطير الأولين، وبأنه افك مفترى، وقد سجل القرآن كل هذه الأباطيل والافتراءات ودحضها، قال تعالى: {وقال الذين كفروا ان هذا إلا افك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ظلماً وزوراً} (الفرقان 4)، وقال تعالى: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} (الفرقان 5)، و{وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلاّ رجل يريد ان يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلاّ افك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم ان هذا إلاّ سر مبين} (سبأ 43)، وكان المشركون - قبل غيرهم - يدركون هراع وأباطيل دعاواهم، لكنهم لا يبوحون بذلك إلاّ في مجالسهم الخاصة، كما في حوار الأخنس بن شريق وأبي جهل يوم بدر.

ولما انتقل رسول الله إلى المدينة واجه يهود، فسخروا علمهم اليقيني بالرسول لمحاربته، فأثاروا حوله وحول القرآن الشبهات، بقصد التنفير منه والتوهين من شأنه، ومن أشهر شبهاتهم حول القرآن الكريم، التشكيك في ظاهرة النسخ في القرآن الكريم، فكانوا يقولون: "ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً، ما هذا القرآن إلاّ كلام محمد يقول من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً، فأنزل الله تعالى قوله: {ما ننسخ من أية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم ان الله على كل شيء قدير} (البقرة 106).

واستنكار اليهود للنسخ لا مبرر له سوى الحسد، والخشية من التناقض مع ما يلزمهم من القول بالنسخ، وهو التسليم بنسخ الإسلام لليهودية والنصرانية، وإلاّ فإن ظاهرة النسخ ليس هناك ما يمنع وقوعها عقلاً فضلاً عن ثبوت وقوعها في الشرائع السابقة، وقد ذكر ابن كثير - رحمه الله - أمثلة لنسخ بعض الأحكام التي وقعت في الشرائع المتقدمة فقال: "قد أحل الله لآدم تزويج جميع بناته من بنيه ثم حرم ذلك، وأبا لنوح - بعد خروجه من السفينة - أكل جميع الحيوانات ثم نُسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحاً لإسرائيل وبنيه ثم حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، وأمر إبراهيم بذبح ولده إسماعيل ثم نسخ قبل الفعل، أشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه".

ومما لا شك فيه أنه ما من حكم نسخ في القرآن سواء أكان لبدل أو لغير بدل، أو لأشد أو لأخف إلاّ وله حكمة عظيمة، ليس هذا مجال بسطها وعرضها.

وهؤلاء اليهود هم سلف المستشرقين المعاصرين، الذين رددوا شبهات أسلافهم وزادوا عليها، ولقد تنوعت شبهاتهم وتعددت، حتى انه ما من موضوع من موضوعات علوم القرآن إلاّ أثاروا حوله الشبهات، ففي الوحي شبهات، وفي أسلوب القرآن شبهات، وفي جمعه شبهات وفي قراءاته شبهات، وفي تفسيره شبهات.. ومن يقرأ الموسوعة البريطانية يجد تلك الشبهات مبثوثة في ثناياها، وقد قام شيخنا الكبير الأستاذ الدكتور فضل عباس بتتبع هذه الشبهات والطعون في هذه الموسوعة، ونقضها ونقدها بالحجة والمنطق، في كتابه العظيم، قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية (نقد مطاعن، ورد شبهات) فجزاه الله خيراً في نصيحته لكتاب الله. وسوف اقتصر بذكر شبهتين من شبهاتهم، الأولى حول كيفية نزول القرآن، والثانية حول أسلوب القرآن الكريم.

أولاً: شبهتم في كيفية نزول القرآن: زعم المستشرقون ان الرسول كان يصاب بالصرع عند نزول القرآن عليه، وهذه فرية ما فيها مرية، ذلك ان الصرع مرض عقلي، يصيب الجهاز العصبي يصحبها غيبوبة وتشنج في العضلات ويعد نوعاً من أنواع الجنون، ولا شك ان هذا الطعن من أخبث الطعون إذ قصد به تنفير الناس من القرآن الذي مصدره رجل مجنون - على حد زعمهم - وما هذه الشبهة إلاّ ترداد لقول المشركين الأولين السذج {يا أيها الذي نُزل عليه الذكر إنك لمجنون} (الحجر 6)، لكنه أخرج بصورة منمقة، وهذا الطعن مردود على أصحابه، فرسول الله كان أكمل الخلق خلقاً وخُلقاً، بل لقد تقرر عند أهل الأديان ان من أخص صفات الأنبياء - عليهم السلام - سلامتهم من الأمراض المنفرة، فكيف بأكمل الخلق وسيدهم كما ان النبي قد شهد له أهل عصره - وفي مقدمتهم كفار قريش أنفسهم - برجاحة عقله، ولذلك حكموه وارتضوا حكمه في حل معضلة كادت ان تسيل دماؤهم بسببها، وهو اختلافهم في الأحق بوضع الحجر الأسود في مكانه بعد بنائهم الكعبة، وهل يعقل ان يصدر مثل هذا القرآن عن رجل مجنون؟! وقد عجز جميع العقلاء عبر التاريخ وإلى اليوم عن الاتيان بمثله، وصدق الله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} (الاسراء 88)، أما ان كان المقصود بالصرع تلك الحال التي تعتري النبي عند نزول الوحي عليه، فلا يمكن تسميتها صرعاً، لأنها ليست صرعاً، بل هي اغفاءة أي غيبوبة النبي عما حوله، وهي من علامات نزول الوحي عليه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس قال (بينما رسول الله ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى اغفاءة ثم رفع رأسه مبتسماً، فقلت: ما أضحك يا رسول الله؟ فقال: نزلت علي آنفاً سورة فقرأ سورة الكوثر)، أما العلامتان الأخريان الدالة على نزول الوحي عليه فهي ثقل جسمه، وتفصد العرق من جبينه كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.

ثانياً: شبهتهم حول الأسلوب القرآني: زعم المستشرقون ان أسلوب القرآن المدني تغيّر عن الأسلوب المكي بتأثير اليهود أو لمراعاتهم، وهذه قمة السذاجة ان يقال هذا، صحيح ان الأسلوب المدني قد اختلف عن الأسلوب المكي، لكن ليس بسبب اليهود، بل بسبب تغيّر الموضوعات والحاجة إلى تغيير الأسلوب ليناسب عرضها، فالموضوعات في العهد المكي كانت تدور حول الدعوة إلى الله، واثبات التوحيد والرسالة واليوم الآخر وتفصيلاته، من ذكر القيامة وأهوالها، والجنة ونعيمها والنار وعذابها كما أكثر القرآن من مجادلة المشركين بالبراهين العقلية، ولفت أنظارهم إلى آيات الله في الكون والنفس، كما تناول الأسس العامة للتشريع باجمال، وفضح جرائم المشركين المنافية للتوحيد والإنسانية، وأكثر من ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة تسلية للنبي وأصحابه الذين عانوا من الظلم والاضطهاد، لذلك تميز أسلوب العرض بقصر الآيات وكثرة الفواصل، وقوة جرسها، وشدة قرعها على المسامع، وصعقها للقلوب، مع كثرة ورود القسم المصاحب للموضوعات.

أما موضوعات العهد المدني فاختلفت، وتبعاً له اختلف أسلوب عرضها، فقد عني العهد المدني بتفصيل التشريعات، من عبادات ومعاملات وأنظمة وحدود، وأحكام الأسرة وقسمة المواريث، والعلاقات الدولية في الحرب والسلم، لذلك تميزت الآيات بطويل المقاطع، ليتم بسط الأحكام وتفصيلها خلافاً للأسلوب المكي، وكذلك تناولت الآيات مخاطبة أهل الكتابين ودعوتهم للإسلام، وحيث انهم أهل دين رباني فقد اقتضى الأمر اختلاف أسلوب مخاطبتهم عن أسلوب مخاطبة أهل الأوثان، فهناك نقاط مشتركة انطلق منها القرآن، كما واجههم بكشف التحريفات وإقامة الحجة عليهم، كذلك تناولت آيات كثيرة الحديث عن المنافقين وكشفت خططهم ومؤامراتهم، بل خصصت سورة كاملة تقريباً للحديث عنهم، وطبيعي ان يختلف أسلوب مخاطبة المشركين عن أسلوب مخاطبة أهل الكتاب عن أسلوب مخاطبة المنافقين، فتغير الأسلوب اقتضاه الموضوعات لا الأشخاص، لكن ينبغي ملاحظة ان فصاحة القرآن وبلاغته، وتأثيره على القلوب واقناعه للعقول لم يتغير، فدرجته في العهد المدني لا تختلف عنها في العهد المكي، فسبحان الحكيم الذي أحاط بكل شيء علماً، وأعطى كل ذي حق حقه.

د. عبدالرحمن بن عبدالجبار هوساوي

أستاذ علوم القرآن المساعد بجامعة الملك فهد

رئيس فرع الجمعية العلمية السعودية للقرآن وعلومه بالدمام