قبل سبع سنوات رأيت في جبال الألب السويسرية بقايا مسجد يعود عمره حسب تقديري الى اكثر من الف عام؛ فأثناء عودتنا من قرية جستاد رأيت بناء رغم انهياره وتداعيه بدا - رغم أنف المرشد السياحي - مسجداً لاتخطئه العين. وكان الامر بالنسبة لي مفاجأة سعيدة ومحيرة في نفس الوقت؛ فأخر معلوماتنا عن فتوحات العرب في اوروبا تقول انهم توقفوا عند مدينة بواتييه الفرنسية بعد هزيمتهم عام 732م على يد شارل مارتن (في المعركة المعروفة باسم بلاط الشهداء بقيادة عبدالرحمن الغافقي)..

ولكن اتضح لاحقاً ان هذه المعركة كانت البداية (وليست النهاية) لفتوحات وغزوات عربية استمرت خلف جبال البرينيه طوال المائتي عام التالية.. فخلال هذه الفترة وصل المسلمون اللى بحيرة جنيف وتحكموا بممرات الالب بين فرنسا وايطاليا وسيطروا على مقاطعة بروفيسا الفرنسية وكانت لهم حصون وقرى عرفت باسم فراكسيناتوم (اصبحت اليوم مدينة فراكسينيه قرب مرسيليا)!!

وظل الموضوع برأسي طوال تلك الفترة حتى ترتبت لدي سلسلة الاحداث التالية:

فبعد مقتل عبدالرحمن الغافقي على حدود مدينة بواتييه الفرنسية اهتم خليفته عبدالملك بن قطن بتحصين ماوقع في ايدي العرب من المدن الفرنسية وكان اهمها مدينة ناربوني NARBONNE (جنوب شرق فرنسا على ساحل المتوسط).

وبعد تلك المعركة بفترة وجيزه نشب خلاف بين امراء فرنسا فاستغل العرب الوضع وانطلقوا من ناربوني واستولوا على مدن آرل وفريتا وافينيون وليون على ضفاف نهر الرون في جنوب شرق فرنسا...

وخلال ذلك عمد العرب الى بناء الحصون على طول نهر الرون (الذي ينبع من جنوب فرنسا ويصب في بحيرة جنيف) بمساعدة الايطاليين.. وفي نفس الوقت انطلق شارل مارتن للاستيلاء على مدينة ناربوني التي اصبحت قاعدة لغزوات العرب في اوروبا ولكن قبل وصوله للمدينة لاقاه جيش عربي ارسله والي الاندلس عقبة بن الحجاج لنجدة العرب فدارت معركة شرسة انسحب منها الطرفان فيما سلمت المدينة!!

بعد وفاة شارل مارتن نجح ابنه بيبيان لوبرف في الاستيلاء على ناربوني عام 759؛ ثم حاول هشام بن الداخل استعادتها عام 788الا ان المدينة انقذت بمساعدة الأمير غليوم حاكم مدينة تولوز حيث دارت معركة خارج مدينة فيلدان لم يكتب فيها النصر لأي من الطرفين.

وفي عام 821تولى عبدالرحمن الثاني إمارة الاندلس بعد وفاة واليها الحكم الربضي فأمر بتجهيز حملة بحرية غزت مقاطعة بريتانى (في شمال غرب فرنسا) ثم كلف حاجبه عبدالكريم بغزو برشلونة كما ارسل اسطولاً الى مرسيليا فأكتفى بالاستيلاء على مرفأ المدينة..

وفي عام 846وصل المسلمون الى جنوب ايطاليا بسفن حربية من شمال افريقيا فتوغلوا حتى حدود روما حيث وجدوا مقاومة شديدة من جيوش اوروبا المتحالفة (...!؟).

وبعد هدنة دامت سنوات تسلم محمد بن عبدالرحمن إمارة الاندلس عام 852فجهز مايسمى بـ "الصوائف" و "الشواتي" ضد الممالك الشمالية فاستولى مجدداً على منطقة بروفنسا الفرنسية (حيث مدن كان ونيس ومرسيليا) واتخذ المسلمون من جزيرة كامارغ (المحاطة بمياه نهر الرون) قاعدة لغزو اوروبا!

(يتبع)