ملفات خاصة

OLD

جورج سورس وعالم السياسة الأمريكي

عبد الجليل زيد المرهون

جورج سورس هو ملياردير وشخصية نافذة في أوساط السياسيين ورجال الأعمال وأرباب الشركات الكبرى.

وقد هاجر سورس، المجري الأصل، إلى الولايات المتحدة قادما من بريطانيا، وذلك في العام 1956.وفي وطنه الجديد كون ثروته كرجل أعمال بارز. وسورس هو مؤسس شبكة من المؤسسات العالمية الناشطة في أكثر من 50دولة، وهي مؤسسات تركز على التعليم والصحة والإصلاحات الاقتصادية.

وقد ألف سورس عددا من الكتب من بينها كتابي المجتمع المفتوح، وأزمة العولمة الرأسمالية.

وفي هذا الصيف، قرر سورس خوض حرب إعلامية ضد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، رصد لها مبلغ 185مليون دولار، وهي تهدف إلى التشكيك في المبررات التي تمت على أساسها الحرب الأخيرة على العراق.

وفي مقاربته لدور أميركا العالمي، يرى سورس أن الولايات المتحدة لا تستطيع عبر سياسة القوة أن تفرض إرادتها على العالم بصورة غير نهائية، فعاجلاً أو آجلاً قد يحصل تحالف دولي ضدها، أو قد تنشأ قوة عظمى لكي تتحداها.

و يذهب سورس إلى القول: إن على أميركا "ألا تغتر" بقوتها كثيراً، فالقوة لا تدوم. وينبغي عليها أن تفكر في اعتماد سياسة إنسانية فيما يخص العلاقة مع العالم الخارجي، إن هي أرادت النجاح في القضاء على الإرهاب. وهذه السياسة تتمثل في محاربة جذور الإرهاب وأسبابه: أي الفقر والجوع والجهل.

ويتساءل سورس : هل ستعي أميركا أن مصلحتها تكمن في إتباع سياسة أخلاقية لا سياسة مكيافيلية أو ذرائعية؟ ويرى أن هذا هو التحدي الأساسي المطروح أمامها اليوموفي المستقبل. والإجابة عنه سلبا أو إيجابا سوف تحسم مصير العالم، برأي سورس.

وكان سورس قد هاجم قبل الحرب على العراق صقور الإدارة الأميركية، وقال إنهم يتبعون سياسة تتحدى القانون الدولي. ورأى أن مبدأ بوش في السياسة يهدف إلى الإبقاء على التفوق العسكري الأميركي، ووصفه بأنه خطير جدا، "لأن سيادة البلدان الأخرى قدسية مثلما سيادة الولايات المتحدة ذاتها".

ويمكن القول إن معركة سورس ضد إدارة بوش تترجم من جهة طبيعة التأثير الذي يمكن أن يمارسه رجال الأعمال والشركات على الحياة السياسية، كما تترجم في الوقت نفسه ما بات يعرف بدور المجتمع المدني في العلاقات الدولية. وهذه النقطة تحديدا هي التي تميز سورس.

وكما هو معروف، فمنذ أكثر من ثلاثة عقود ابتدأ خبراء العلاقات الدولية يعترضون على الفكرة القائلة بان الدولة هي كل شيء وأنها هي وحدها التي تؤثر على البناء الدولي. ورأى هؤلاء أن المجتمع المدني يلعب دوره أيضا في كل ذلك. ومن بين هؤلاء روبرت كيوهن وجوزيف ناي في كتابهما الحديث نسبيا، الذي يحمل عنوان "العلاقات العابرة للقوميات والسياسة العالمية".

يقول هذان الباحثان: "إن نسبة معينة من العلاقات بين المجتمعات البشرية أصبحت تتم بدون رقابة الحكومات، وهذه العلاقات العابرة للقوميات والحكومات تتم على هيئة اتصالات، أو احتكاكات، أو تفاعلات بين هيئات المجتمع المدني".

وربما تكون سلسلة مؤسسات سورس الدولية أبرز نموذج لهذه المقولة، وأكثر ترجمة لها على الصعيد العالمي.

ولكن دعونا نؤكد في البدء على حقيقة أن السياسة العامة والإعلام في الولايات المتحدة هو في جزء كبير منه نتاجا لحراك الشركات ورجال الأعمال. وهذه قضية تفرض نفسها بالضرورة على حدود التماهي والاختلاف بين بوش وسورس.

إن شركة فورد للسيارات، مثلا، تزيد ميزانيتها عن ميزانية دولة كجنوب أفريقيا. وأما شركة "جنرال موتورز" فهي أغنى من الدانمرك.

كذلك، فان معظم الولايات الأميركية وأهمها كانت في الأصل شركات مساهمة تحمل الاسم نفسه الذي حملته هذه الولايات فيما بعد.

و يبدو قطاع الإعلام الأميركي شديد التأثير بهذه الحقيقة، إذ إن هناك 11شركة الآن تمتلك أكثر من نصف الصحف اليومية في الولايات المتحدة، منذ أن كان عددها 46صحيفة إلى أن أصبحت 1983صحيفة يومية. وهناك شركتان تستحوذان على أكثر من نصف عائدات المجلات، و 5شركات تسيطر تماماً على أكثر من نصف دور نشر الكتب.

وفي العام 1946كان 80في المائة من الصحف اليومية مملوكاً للأفراد، أما اليوم فإن 80في المائة من هذه الصحف مملوك لسلسلة شركات، كما أن أكبر أربع شبكات تلفزيونية ملحقة بشكل أو بآخر بشركات عملاقة مثل جنرال اليكتريك وديزني.

والتنافس بين وسائل الإعلام المملوكة لرجال أعمال هو في نهاية المطاف تنافس بين خيارات سياسية، حيث تتبنى أبرز هذه الوسائل الإعلامية أجندة سياسية خاصة بها.

وعند سخونة أي حدث سياسي تسخن المنافسة بين هذه المؤسسات من أجل تأكيد صدقية هذا الخيار أو ذاك. وعلى الرغم من ذلك لا يبدو التباين واضحا بين المؤسسات الإعلامية الكبرى عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية. وتصبح المنافسة حينها ذات طبيعة مهنية بالدرجة الأولى.

وربما كانت الحرب على أفغانستان النموذج الأبرز لهذه المقولة، حيث تشابه الخطاب السياسي، في حين اشتدت المنافسة على كسب المعلقين.

في نموذج عام للتنافس المهني، نجحت قناة فوكس نيوز في جذب المحللة القانونية جريتا فان سوستيرن من شبكة سي.إن.إن، أو بمعنى أدق خطفتها مقابل عقد مغرٍ تبلغ قيمته مليون دولار سنويا، وفرصة الظهور في برنامج جماهيري حواري كل ليلة. وكانت فان سوستيرن من أبرز الكوادر في نجوم السي.إن.إن، الذين أسست إدارة الشبكة خدماتها على مدار الساعة على أكتافهم معتمدة في ذلك على قوة الشخصيات من مقدمي البرامج لديها وعلى فحوى تقاريرها الإخبارية في الوقت ذاته.

وفي المقابل، شملت المحاولات التي قامت بها سي.إن.إن لتوسيع نطاق هويتها السياسية استقطاب واحدة من أشهر نجمات قناة فوكس، وهي بولا زان، وذلك لتقديم أحد برامجها الصباحية الرئيسية. كما نجحت أيضا في استقطاب المعلق ذي الاتجاهات المحافظة يونان جولدبرج.

وفي بلد كالولايات المتحدة، فان المال والإعلام أمران متلازمان، انهما وقود النجاح والشهرة والمكانة السياسية.

وهذه مقولة تنطبق تماما على نفوذ سورس ومستقبل نجاح حملته الراهنة ضد إدارة بوش، بل يمكن القول إن المال والإعلام كانا على الدوام العامل الأكثر حسما في فرص وصول السياسيين إلى مناصبهم البرلمانية والرئاسية. وتبرز الشركات الكبرى كممول أساسي لمكينة الدعاية السياسية.

وانطلاقاً من تحليل الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 1996"على سبيل المثال، التي فاز فيها الرئيس بيل كلنتون للمرة الثانية، وبعد أن قام مدققو الحسابات التابعون لـ "اللجنة الفدرالية للحسابات" بإعادة النظر في الممارسات المالية التي شهدتها تلك الانتخابات نصحوا مسؤولي الحملة الانتخابية لبيل كلنتون ونائبه آل غور بتسديد مبلغ 7ملايين دولار للحكومة، كما طالبوا مسؤولي حملة بوب دول، أي المرشح المنافس، بتسديد 17.7مليون دولار، وذلك على أساس أن هاتين الحملتين قد تجاوزتا السقف المسموح به الذي تحدده القوانين الخاصة بالانتخابات، لكن بعد أسبوع واحد من صياغة هذه التوصيات تم رفضها بقرار صدر بالإجماع عن الأعضاء الستة لإدارة اللجنة الفدرالية للانتخابات.

وبشكل عام دلت تحليلات كثيرة على أن انتخابات العام 1996على وجه الخصوص قد أظهرت الكثير من مواطن الخلل فيما يتعلق بآلية الحصول على المساعدات من المساهمين الكبار. كما أن المرشحين والأحزاب السياسية والمجموعات صاحبة المصلحة قد أنفقوا مبالغ مالية هائلة لأسباب لم يكن لها أحياناً أية علاقة بالحملات الانتخابية ذاتها.

وكانت ولاية كاليفورنيا مثلاً قد أنفقت خلال العام 1998على الانتخابات الأولية التي شهدتها مبلغ 72مليون دولار، أنفقها المنافسون الأربعة الرئيسيون على الفوز بمنصب حاكم الولاية.

وإذا انتقلنا من الإطار إلى المضمون، وعدنا إلى حملة سورس الإعلامية، بل ومشروعه الفكري العام، نلحظ أن رجل الأعمال الأميركي هذا قد ركز بصفة أساسية على ضرورة إعادة تشكيل الرؤية الأميركية للعالم "لتكون أكثر إنسانية" على صعيدي السياسة والاقتصاد معا.

ويبدأ سورس رؤيته بتعريف العولمة على أنها: "السماح للرأسمال بالتنقل بشكل حر بين بلدين، ثم التزايد المستمر لهيمنة الأسواق المصرفية العالمية والشركات المتعددة الجنسيات على الاقتصاديات القومية للدول". ويقول سورس: "إني اعترف بان العولمة الرأسمالية مجحفة أو ظالمة أو لا متوازنة".

ويرى أن السبب في ذلك يعود إلى "أن تطور مؤسساتنا الدولية لم يتناسب من حيث الإيقاع والسرعة مع تطور الأسواق المصرفية العالمية.وأن التدابير السياسية التي اتخذناها كانت بطيئة ومتخلفة عن السرعة التي تمت بها العولمة الاقتصادية، بمعنى آخر فإن العولمة السياسية لم تتحقق حتى الآن لكي تتساوق مع العولمة الاقتصادية التي قطعت شوطا كبيرا في التحقق".

ويقترب سورس هنا من فهم أوروبي للعولمة، على النحو الذي تنادي به تيارات الوسط وبعض يسار الوسط.

وفي ألمانيا على سبيل المثال، هاجم المستشار غيرهارد شرويدر رجال الأعمال الألمان البارزين لرفضهم خطته الرامية إلى إصلاح سوق العمل، التي كان قد صاغها مع بيتر هآرتس رئيس شؤون العاملين في شركة فولكس فاجن أي.جي لصناعة السيارات.

وشدد شرويدر على ضرورة أن يحذو أصحاب الأعمال التجارية الكبيرة حذو النقابات العمالية الألمانية باحتضان خطة إصلاحات سوق العمل.

وتقول لجنة هارتس التي وضعت الخطة إنه يمكن خفض عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا بنسبة 50في المائة ليصلوا إلى مليوني عاطل فقط بحلول العام 2005مع منح مليارات من اليورو في صورة قروض منخفضة الفائدة وضخ أموال في أسهم عادية وتنظيم الوكالات الحكومية الخاصة بتوزيع الوظائف.

كما تنص الخطة على منح العمال شهادات تستطيع الشركات التي تستأجرهم على تحصيل قيمتها.

وبين المفاهيم المتعددة، ثمة مفهوم دارج للعولمة يشير إليها بحسبانها نوعاً من الوصول إلى درجة ما من التشابه بين مختلف دول وشعوب العالم.

كما تعرف الأدبيات الاقتصادية المختصة العولمة على أنها مفهوم خاص بالأسواق، يهدف بيع اكبر كمية ممكنة من السلع والمواد الأولية والخدمات، وذلك بحسب مصلحة كل طرف. وفي كل الحالات يتم الحديث عن وجود قرية كونية، ولكن يتم في الواقع الراهن تغليب البعد الاقتصادي عليها.

ولا شك بأن التكنولوجيات الجديدة قد ساهمت في رفع وتيرة تداخل العلاقات على صعيد العالم اجمع، لكنها إذا ألغت المسافات الجغرافية فإنها بالمقابل لم تلغ المسافات الاجتماعية بل عمقتها.ولا تزال هناك فروقات كبيرة على صعيد التمايزات بميدان البيئة ومنظومات الضبط الاجتماعية والثقافية ذات الدلالة الحاسمة.

وفي الجانب السياسي للعولمة ، يقول سورس : لقد أثبتت أميركا أنها ليست نمراً من ورق، بل أنها أكبر قوة عسكرية في العالم. ولكن القوة الجبروتية لأميركا "تلقي عليها مسؤولية ثقيلة في قيادة العالم. وربما لم تكن أميركا قادرة على فعل أي شيء في العالم ولكن لا يمكن أن يحصل أي شيء مهم بدون إرادتها".

وحسب سورس فان هناك عاملين يؤثران على سياسة أميركا الخارجية: الواقعية الجيوبوليتيكيه، والمثالية الديمقراطية، أو الإنسانية، للمجتمع المفتوح. فإن تغلب العامل الأول أصبحت سياسة أميركا مكيافيلية هدفها تحقيق مصلحتها الخاصة فقط، وإذا تغلب العامل الثاني أصبحت سياستها إنسانية: بمعنى أن تأخذ مصالح الشعوب الأخرى في الحسبان.

والحقيقة، إن كل سياسة أميركا منذ البداية تتراوح بين هذين القطبين، ففي أيام روزفلت كانت أكثر مكيافيلية، وفي أيام ويلسون كانت أكثر مثالية، ولكنها في معظم الأحيان مزيج من هذين العاملين.

ويعتقد سورس أنه بعد سقوط الشيوعية كان أمام الولايات المتحدة فرصة سانحة لكي تبرهن على كرمها وأريحيتها وعلى مثاليتها وإنسانيتها. "كان ينبغي عليها أن تقدم مساعدات ضخمة لدول أوروبا الشرقية من اجل أن تنهض وتبني نفسها"، مثلما قدمت مساعدات ضخمة من خلال خطة مارشال إلى أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. ولكنها لم تفعل وهكذا ضيعت فرصة ثمينة واتبعت سياسة الواقعية الجيوبوليتيكية أي المكيافيلية.

ويرى سورس أن سبب ذلك يعود إلى الدور الكبير الذي يلعبه "اصوليو الرأسمالية الأميركية" في تحديد سياستها الخارجية، وأن النزعة الرأسمالية المحضة هي التي منعت الإدارة الأميركية من مساعدة الآخرين، فهي تعتقد أن الربح ينبغي أن يكون المعيار الوحيد للسياسة الخارجية الأميركية.

ويقدم سورس نفسه كزعيم قادر على إحداث تحول عالمي الطابع، ويقول في كتابه "حول العولمة": "إني أتمتع ببعض الصفات التي تسمح لي بأن اخطط لمصير العالم في المستقبل". فأنا اعرف ماذا تعني العولمة الرأسمالية والأسواق المصرفية الدولية لأني جربت نفسي فيها ونجحت، كما أسست بعدئذ شبكة دولية من المؤسسات والجمعيات الهادفة إلى تشكيل المجتمع المفتوح على مستوى العالم كله". a


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 0

أضف تعليقك





نعتذر عن استقبال تعليقكم لانتهاء الفترة المسموح بها للتعليق على هذه المادة