العام 1997شهد ظهور اثنين من أهم الأفلام الإيرانية هما فيلم (أطفال الجنة) للمخرج (مجيد مجيدي) وفيلم (طعم الكرز) للمخرج (عباس كيروستامي). الفيلم الأول اقتحم قائمة الأفلام المرشحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 1999.أما الثاني وهو ضيفنا المحتفى به هذا الأسبوع فيلم (طعم الكرز) فقد حقق إنجازاً فريداً تمثل في حصوله على السعفة الذهبية من مهرجان (كان) عام 1997مناصفة مع الفيلم الياباني The Eel لمخرجه (شوهي إيمامورا)..

فيلم (طعم الكرز) يحكي ببساطة وبنكهة مأساوية فكرة الموت والرغبة في الانتحار. وذلك من خلال سرده لقصة رجلٍ مكتئب غارق في السواد بشكل لم يعد يطيق معه العيش فانتهى إلى ضرورة إنهاء حياته. وقد وضع خطة لتنفيذ ذلك وهي أن يتناول حبوباً مخدرة وأن ينام في حفرة شبيهة بالقبر منتظراً قدوم شخص قد اتفق معه مسبقاً ليهيل عليه التراب. وبذلك يجد نفسه مدفوناً في باطن الأرض دون أن يمتلك فرصة للتراجع في حال أفاق من نومه.. ورغم سهولة الخطة إلا أن المأساة تتمثل في عدم عثوره على الشخص الذي سيتم عملية ردم الحفرة.. لذلك هو يبحث ويبحث ويبحث..

مشاهد الفيلم صورت تقريباً في مكان واحد ناء وبعيد عن المدينة ويغلب عليه الجفاف والوضوح. في هذا المكان تقع (الحفرة/القبر). وفيه أيضاً يكثر العمال الفقراء الذين يسهل إغراؤهم بالمال من أجل إتمام عملية الدفن. واختيار مكان جاف كهذا وخالٍ من أي بهرجة شكلية كان من أجل نزع كل ما من شأنه أن يشغل المشاهد عن تأمل حقيقة المأساة التي يعيشها بطل الفيلم. فهنا لا شيء يتحرك سوى فكرة الانتحار المجردة التي يحملها البطل ويسعى إلى توصيلها إلى الجميع كي يقتنعوا بضرورتها بالنسبة له. إنه يشعر بحاجته إلى الموت.. وهي حاجة ملّحة لا تحتمل الجدل ولا التفسير.. لكن الناس من حوله يجدون صعوبة في تقبلها.. والفيلم بهذه الصيغة العميقة الباردة يقدم نفسه كواحد من الأفلام الفلسفية التي تناسب المُشاهد النخبوي فقط. وقد تمكن من خلاله المخرج المتميز (عباس كيروستامي) من الإبحار في دهاليز العقل الإيراني بكل تجلياته الدينية والاجتماعية. إضافة إلى رسمه الواقع الإيراني البائس حيث الفقر والجهل والانغلاق وعدم وضوح المستقبل. وهي أسباب كافية لمنح قرار الانتحار شيئاً من الوجاهة والقبول..