العناوين: الباب المفتوح - أسماء مستعارة

المؤلف: عبدالرحمن منيف.

الناشر: المركز الثقافي العربي والمؤسسة العربية للدراسات والنشر.

تاريخ النشر:

2006.صدر حديثا عن المركز الثقافي العربي والمؤسسة العربية للدراسات والنشر مجموعتان قصصيتان للروائي العربي الراحل عبدالرحمن منيف. وتعتبر هاتان المجموعتان ثاني الأعمال التي تم نشرها بعد وفاة منيف في 24-1- 2004.العمل الأول كان رواية "أم النذور" 2005وهي الرواية التي كتبها منيف سنة 1970في نفس الوقت الذي كتب فيه أعماله الأخرى المنشورة والمشهورة "الأشجار واغتيال مرزوق" و"قصة حب مجوسية" و"حين تركنا الجسر" و"شرق المتوسط" إلا أن "أم النذور" كما تشير سعاد منيف لم يكن لها حظ في النشر وإن كان منيف ينوي نشرها إلا أنه أجّل ذلك حتى....

"الباب المفتوح" و"أسماء مستعارة" مجموعتان قصصيتان كان منيف قد كتبهما في الفترة بين عامي 1969- 1970وهي فترة تجريبية كما تذكر سعاد منيف في مسيرة منيف الروائية، فهي قد سبقت كل أعماله الروائية وكانت في فترة كان منيف شغوفا بقراءة القصص القصيرة. نعرف فيما بعد أن منيف قد طوى صفحة القصّ ليشتغل بالعمل الروائي الذي حقق فيه نجاحا باهرا أثرى به المكتبة العربية بروائع مثل "الآن... هنا". توّج هذا النجاح بشهرة عالمية وعدد من الجوائز العربية كجائزة العويس الثقافية 1991وجائزة القاهرة للإبداع الروائي

1998.في مسيرة حياة منيف تأتي كتابة هاتين المجموعتين بعد تركه للعمل السياسي بوصفه عضوا في حزب البعث. هذا العمل الذي ترك في نفسه ألماً ومرارة عبّر عنها كثيرا وفي عدة أشكال قد يكون أحدها ترحاله الدائم من عمان إلى بغداد إلى القاهرة ثم دمشق ثم باريس ثم مرّة أخرى ونهائية بيروت ودمشق التي حطّ فيها الرحال. هذه المجموعة القصصية أيضا جاءت بعد هزيمة 1967ونحن نعلم مدى التأثير الذي تركته هذه الهزيمة خصوصا على أولئك المثقفين الذين آمنوا بالنضال العربي وقدرة الشعوب على النهوض والتحضر. ذلك الجيل من المثقفين الذين عاصروا وشاركوا في الثورات العربية وتشكيل الأحزاب بشعاراتها الفضفاضة والحالمة جدا. لكن الواقع كان غير ذلك تماما، الواقع الذي كان يشير أن الشعارات والأصوات العالية التي كانت مرفوعة عاليا ليست إلا غطاء لاستمرار آفات التخلف من قمع وخرافة واستبداد... الخ. كانت هزيمة 1967القشة التي قصمت ظهر البعير مما أدى إلى أجواء من اليأس والارتداد عن أشياء كثيرة كما أدى إلى عمليات مراجعة جذرية لم يقم بها إلا جزء بسيط من المثقفين كان عبدالرحمن منيف أحدهم مما أدى به إلى هجر العمل السياسي والغوص في الرواية. يقول منيف في هذه القضية بالذات "لما جاءت الأحداث الكبرى التي هزّت واقع المجتمع العربي، وأدت إلى الكوارث المعروفة، اتضح أن التنظيم السياسي والفكر السياسي المسيطرين والسائدين يتمتعان بحد كبير من التخلف والعجز وعدم القدرة على فهم المرحلة وبالتالي على قيادتها، ومن هنا كان الابتعاد عن السياسة اليومية بمعناها التنظيمي، والالتفاف أكثر إلى الثقافة وإلى الرواية بشكل خاص".

هذه الأجواء كانت حاضرة في الجوّ القصصي لهاتين المجموعتين، أذكر هنا على سبيل التمثيل قصة "أسماء مستعارة" التي حملت المجموعة الأولى اسمها. تدور أحداث القصة حول لقاء الكاتب أثناء رحلة سفر في بلغاريا مع أحد العاملين في مطعم ليلي. يتعرف الكاتب على العامل بوصفه أحد المناضلين اليونان تحت قيادة المناضل الشهير ماركوس ويسميه ب "زوربا" تشبيها ببطل الرواية الشهيرة "زوربا اليوناني" لليوناني المفكر والروائي نيكوس كزنتزاكيس.. يتحدث زوربا عن نضاله في جبال اليونان تحت قيادة ماركوس، يقول: ذات يوم سمعت صرخة ماركوس فقلت لنفسي: يادرتياكوس (اسمه الحقيقي) إن اليونان بحاجة إليك.. لقد منحتك اليونان الدم الذي يغذيك واللغة التي تتكلم بها، والآن تطلب إليك أن تدافع عنها.. كانت اليونان تعيسة ويجب أن نفعل شيئا... يتابع "لقد حاربنا من أجل يونان جديدة، أقل عبودية، ولكننا فشلنا، كنا أغبياء". لا تختلف حال المناضل اليوناني هنا عن شبيهه العربي. كان الفشل يلف كلا التجربتين. كان زوربا يتكلم بكثير من اليأس والعدمية فيما كان رفيقه اليوناني الذي أسموه "سقراط" يناقشه بحدة مستخدما الكثير من الحجج العقلية ولكنه كان حوارا صاخبا انتهى بالشجار. وكأن منيف يشير إلى البلبلة الهائلة التي يعيشها الوضع العربي بين العدمية والعقلانية، تبقى الأمور مشوشة كثيرا ولا يبدو أفق بيّن مقبل.

كانت الظروف قد حكمت على القارئ العربي أن يقرأ نهايات منيف قبل بداياته، ونحن اليوم إذ نطلع على بدايات منيف الكتابية فإنها لا تفاجئنا بقدر ما تتسق مع خط منيف الروائي المعروف، الرواية الكلاسيكية التاريخية، تلك التي حافظت على البناء الروائي في خطوط شخصياته الواضحة وحبكته المتقنة وهي تلك التي اشتغلت أيضا بالشأن السياسي وبالقمع والظلم والسجن. لم يترك منيف فرصة دون أن يوجه إضاءته المركزة على الحال المأساوية التي وصل إليها الفرد العربي. يقول منيف حين سئل عن كيف يكتب "كثيرا ما يضيق بي من التقيتهم من لجاجة السؤال، لا أتعب من محاولة المعرفة والتعلم، أفتح عيني على اتساعهما لرؤية الأشياء حولي، مهما كنت أعرفها. أنظر إلى رفّة العين حين يتكلم الإنسان لأكتشف مدى ما يعنيه وكم من الصدق فيما يقول. وأحاول أن أرهف سمعي كي أسمع الصمت".

هل هناك من أعمال منيف مالم يرى النور بعد؟ أشعر بالطمأنينة الشديدة على تراث منيف الفكري والروائي فأسرته المثقفة وناشروه الذين يعرفون قيمته خير من يؤتمن على هذا التراث. إن كان هناك من شيء فالأكيد أننا سنقرؤه.