لماضي بلادنا تاريخ حافل وذكريات رائعة يشعر بها من لامس أرضها وعاش بين جنباتها وتنشق نسيم هوائها وعطرها وارتوى من مائها وينبوع صفائها، فبقيت الذكريات عالقة يتبعها حنين تلك الأيام وأنس الليالي والأعوام.

اعتصرني ألم الذكري وسكبت عيوني الدموع المنهمرة عندما أردت أن أدبج كلمة عن هذه البلدة فكيف أصف ماضياً عظيماً، وأقارنه بحاضر جميل نلمسه ونعيشه مما مضي من عمرنا وسالف أيامنا وكيف أنه اختلف اليوم وضاعت كثيراً من معالمه وآثاره. والله المستعان

وهذه البلدة المصانع ذكرها الهمداني المتوفى بعد 334ه تقريباً فأشار إلى أنها تقع جنوب حجر اليمامة "الرياض اليوم" وبقرب الفار عة والمو صل ومنفوحة(1).

وعدها ياقوت الحموي بأنها من البلاد والقرى التي لم تدخل صلح خالد بن الوليد (2) عندما صالح بني حنيفة في أوائل عام 12للهجرة.

وممن سكن المصانع من القبائل القديمة ابن ضور بن رزاح وبنو قيس بن ثعلبة وبنو حنيفة وكلها قبائل بكرية وائلية كما يذكر ذلك البلدانيون.

والمصانع تقع اليوم جنوب الطريق الدائري الذي يخترق نخيل منفوحة من جهته الجنوبية أيضاً.

وهي تقع على حافة وادي حنيفة شرقاً حيث تسقى من سيل ذلك الوادي كما أنها تسقى من سيل وادي نمار.

وحيث يلتقي وادي نمار مع وادي حنيفة تبدأ حدود المصانع شمالاً وحيث يلتقي وادي حنيفة بوادي الوتر "البطحاء" ينتهي جنوباً وذلك بطول ثلاثة كيلومترات.

وتشتهر المصانع بالإنتاج الزراعي العظيم حيث أنها منذ أكثر من ألف عام مضت وهى معروفة بذلك ولعل النخيل هي أعظم هذا الإنتاج وأغزره وقيل ان المصانع هي أحساء هذه المنطقة لكثرة الإنتاج من التمور، كما تكثر زراعة الرمان والخوخ حيث أدركنا ذلك وهي من أجمل واحلي ما نتذكره في تلك الحقبة قبيل نصف قرن مضى، كما أن للشمام والبطيخ نصيبا حافلا من الانتاج ويتميز بطعمه اللذيذ وذلك لتميز تربته ومائه التي تسقى من الأودية كما يزرع الذرة والبرسيم والخضار المختلفة. وقد وصف المؤرخ فلبى رحمه الله شيئاً من وفرة الإنتاج الزراعي في مؤلفاته عن الجزيرة العربية حيث يشاهد كثرة ذلك عند خروجه مع الملك عبد العزيز إلى هذه البلدة حيث كان الملك عبد العزيز ووالده الإمام عبد الرحمن بن فيصل ما يقضون التنزه في بساتين هذه المزارع والبساتين.

ولعل من أشهر النخيل المعروفة فيها: مرزه، الدعيجى، العليا، مصدة للدروع، أم الهراس، نخل الشيوخ، حيث كان قبل ذلك لآل زيد من الدروع من بني حنيفة، والقصر، والسويلة، واللوذة، والمسبحي وغير ذلك من المزارع العديدة.(3)

ومن أشهر آبارها المائية المسماة "الكارة" ويستخرج منها الماء من جهتين والى عهد قريب كانت هذه البئر موجودة وعلم شاهد لعظمها لكنها اندثرت لعدم الاهتمام بها شأنها شأن كثير من اثار الرياض التي لم تنل العناية بآثارها والله المستعان.

وتتعدد أحياء بلدة المصانع فمنها 1القصر وهو الحي القديم وبه قصر الأمارة ويحيط به الأسوار والأبراج قد اندثر كثير منها وخلال السنوات القليلة حيث ما زالت وكالة الآثار نائمة بل وفي سباتها العميق عن مثل هذه الآثار ومما يحسب لاحدى الأسر وهى أسرة الزمامي أن قاموا بمجهود منهم في بناء المدرسة القديمة وبيت الأمارة الملاصق للمسجد وهذا عمل خّير وصالح جزاهم الله خيراً،

2الحليلة وقد اندثرت.

3فيحان وهى الجنوب الشرقي من البلدة وقد أنشئت في أوائل القرن الرابع عشر الهجري.

وعرفت المصانع بتعدد المساجد فهناك المسجد الجامع القديم ويطلق علية جامع القصر وعندما كثر السكان أقيم جامع فيحان في الثمانينات الهجرية.

هذا بخلاف المساجد المنتشرة في النخيل فهي تربو على العشرات والتي قد بنيت منذ مئات السنين.

وعرفت المصانع بكثرة مشاركة رجالاتها في توحيد البلاد مع الملك عبد العزيز رحمه الله منهم حسن بن ناصر بن درع الذي قتل في البكيريه وغيرهم الكثير.

وتولى الأمارة لهذه البلدة منذ عهد الأمام فيصل بن تركي أسرة الزمامي وابرز أمرائهم سلطان الزمامي وأبنائه(4).

سكان المصانع:

سكن المصانع عدد من الأسر العريقة والكريمة كاسر آل زيد، آل حسن، والسليم والمرشد، والباهلى، والزمامى، آل مغيصيب، الدروع، آل مدعوج، آل عمران، آل خالد، آل منصور، الزباري، آل هدهود، آل اسماعيل، آل غنيم، آل عيد، آل نشوان، الحواطا، آل حسن، وغيرهم من الأسر (5)

ويشتهر أهالي بلدة المصانع بنخوة (هل الجريف) بفتح الهاء.

وهي نخوة تثير الحماسة والشجاعة: قال أحد شعرائهم ابن مدعوج:

ربعي هل الجرف طايحهم يشيلون

ذي عادة عندنا للجار والعاني

أخيراً إلي هيئة السياحة وأميرها النشط الأمير سلطان بن سلمان أرجو أن تكون هذه البلدة ضمن المناطق والبلدات التي يحافظ عليها ونرى الترميم يطولها مستقبلاً ليحافظ على تاريخ أحد البلدات التي خدمت تاريخنا وتوحيد بلادنا الحبيبة.

(1) صفه جزيرة العرب، الحسن الهمداني، تحقيق محمد الكوع، أشرف على الطبع حمد الجاسر، ط 1397ه ص

284.(2) معجم البلدان، ياقوت الحموي، 1365.طبعة صادر.

(3) معجم مدينه الرياض، تأليف خالد السليمان، ط 2، دارة الملك عبد العزيز 1419ه ، ص

76.(4) تاريخ المساجد والأوقاف القديمة في بلد الرياض، تأليف راشد بن عساكر، ط، 1420ه، ص 336،

260.(5) معجم اليمامة، تأليف عبد الله بن خميس، "1399ه، ج2، ص 370).