قدر دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب أن تمر هذه الأيام بتزييف وتحريف. لم يقف عند مضمون الدعوة، التي ألصق بها كل سيئ وتشدد وتطرف، بل تعداه مشاركة الناشرين العرب في حملة التزييف والتحريف. ومشاركة زعماء مسلمين وعرب في الحملة الإعلامية ضد الدعوة. وكأن الدعوة لم تعرف إلا منذ زمن يسير.

بين يدي كتاب صدر عن دار رياض الريس لعام 2003م عنوانه: (الوهابيون: تاريخ ما أهمله التاريخ) من تأليف دوكورانسيه وترجمة مجموعة من الباحثين. وسبق أن راجعت ترجمة مسودة كتاب لويس ألكسندر أوليفيه دوكورانسيه Alxander-Olivier de Corancez ( 1770- 1832م) عن: (تاريخ الوهابيين منذ النشأة حتى عام 1809م) من ترجمة الأخ الدكتور محمد خير البقاعي. إذن نحن أمام تحريف منذ بداية الكتاب الصادر عن دار ضياء الريس. والغريب أن الكتاب المترجم لا يحمل العنوان الفرنسي الأصلي. بل يحمل عنواناً باللغة الانجليزية ورد هكذا: A Histotry of Waht History Ignored (تاريخ ما أهمله التاريخ) ولا أدري من أين جاء الناشر أو المترجمون بهذا العنوان. فإن كان المترجمون يترجمون من الترجمة الانجليزية لكتاب دوكورانسيه الذي صدر في لندن عام 1995فإن عنوانها ورد هكذا: The History ot the Wahhabis from their origin until the end of 1809 وهذا العنوان الانجليزي يتوافق تماماً مع العنوان الفرنسي الذي اختاره المؤلف وهو: Histiore des Wahabis depuis leur origine jusquصa la fin de 1809.

أود أن أقول شيئاً عن المؤلف قبل الحديث عن كتابه المترجم من قبل دار رياض الريس. لويس ألكسندر دوكورانسيه كان ضمن البعثة العلمية الفرنسية التي رافقت حملة نابليون على مصر. التحق بالحملة في عام 1799م، ثم أصبح بعد ذلك قنصل فرنسا في حلب، وعضواً في الأكاديمية الفرنسية في عام 1811م. وتوفي في أسنيير عام 1832م. غلبت على كتاباته النزعة العلمية، وخاصة ما يتعلق بالهندسة وعلم الطبيعة. وقد بدت هذه النزعة واضحة في كتابه عن تاريخ الوهابيين عندما أورد تعاليقاً حول المرتفعات والثلج وذوبانه.

ثارت شكوك حول دوكورانسيه وكتابه عن تاريخ الوهابيين. وطال الجدل. نشر دوكورانسيه قسماً من كتابه بداية في صحيفة (لومونيتور le Moniteur) في عام 1804م. ثم أعيد نشر تلك المقالات في مجلة (فرانكفورت la gezette de Francfort) قبل أن يخرج الكتاب كاملاً عام 1810م. وكان قد جمع مادة الكتاب خلال الأعوام الثمانية التي قضاها في حلب. كانت المقالات على صغرها أول نبذة تاريخية تُنشر في فرنسا عن الوهابيين. ويقول دوكورانسيه إن مقالاته التي نشرها في صحيفة لوموينتور سطا عليها روسو Rousseau ونشرها ضمن كتابه: وصف ولاية بغداد الذي نُشر في باريس عام 1809م شهد بذلك عدد من أعضاء الأكاديمية الفرنسية مثل: باربي دو بوكاج.

ثم تبرز مشكلة أخرى تتعلق بإمكانية سطو دوكورانسيه على تقارير مواطنه جان ريمون Jeen Raymond صاحب كتاب: (التذكرة في أصل الوهابيين، وفي ظهور قوتهم والنفوذ الذي يتمتعون به بوصفهم أمة) وصدر في باريس عام 1806م. كان جان ريمون ضابط المدفعية في جيش سليمان باشا الكبير ببغداد خلال الفترة التي أقام فيها كورانسية في حلب. ولا يستبعد أن كورانسيه اطلع على تقارير ريمون.

أراني بعدت عن الموضوع قيد البحث. وما أردت إلا بيان أن ترجمة كتاب دوكورانسيه يعترضها مشكلات كثيرة. وما كان يجوز تجاهلها، وقد ذكرها دوكورانسيه في مقدمة كتابه. وقبل بيان بعض التشويهات في الترجمة العربية التي بين يدي. أورد عناوين الفصول كما وردت في الترجمة العربية، ثم أورد عناوين الفصول كما وردت في النص الفرنسي، كما هي عند مترجم الكتاب الأخ الدكتور محمد خير البقاعي. وترجمة البقاعي لا شك عندي أنها أكثر من جيدة. إذ حققها وزودها بتعاليق مهمة. وقد سبق لي مراجعتها في نصها العربي، قبل أن يدفعها الأخ البقاعي إلى دارة الملك عبدالعزيز قبل عام ونيّف، وستخرج إن شاء الله بعد طول انتظار.

عناوين فصول الكتاب ترجمة دار ضياء الريس: (1) أصل الوهابيين (2) الوهابيون وعاداتهم (3) الحملة الأولى ضد الوهابيين (4) دخول مكة (5) كر وفر (6) الوهابيون بعد موت عبدالعزيز (7) الهجوم على البصرة) (8) حملة باشا بغداد ضد الوهابيين (9) دخول المدينة (10) الهجوم على مناطق الإمام علي والزبير والسماوة (11) دخول جدة وتوقف الحج إلى مكة (12) الوهابيون في سورية ومصر (13) القواسم بين الوهابيين والانكليز (14) آراء في الوهابيين.

عناوين فصول الكتاب ترجمة محمد البقاعي: (1) تاريخ محمد بن عبدالوهاب وابن سعود (2) معتقد الوهابيين وعاداتهم (3) حملة باشا بغداد الأولى على الوهابيين والاستيلاء على مدينة الإمام الحسين (4) دخول مكة المكرمة (5) حصار جدة والهجوم على المدينة المنورة وهزيمة الوهابيين (6) وضع الوهابيين بعد موت عبدالعزيز وحملات سعود الأولى (7) أول هجوم وهابي على البصرة وموت إمام مسقط (8) حملة باشا بغداد على الوهابيين (9) الاستيلاء على المدينة المنورة واستقبال الحجاج في مكة (10) مهاجمة مشهد الإمام علي والزبير والسماوة (11) الاستيلاء على جدة وتوقف الحج (12) وضع الوهابيين والأقاليم المجاورة لهم في عام 1807م (13) أهم أحداث عام 1808م محاولات الوهابيين الوصول إلى سورية ومصر (14) آخر الحملات الوهابية على بغداد وهزيمة القواسم (15) تأملات في طبيعة الوهابيين وفكرة الهوية الوطنية التي تطورت لديهم لاحقاً (16) اعتبارات عامة تتعلق بطبائع الشرقيين. وأخيراً: التعاليق.

وهكذا يبدو الفرق كبيراً بين عناوين فصول الكتابين. ناهيك عن التصرف غير المبرر بالعناوين نفسها، وحذف الفصول والتعاليق. وحتى نتبين، على سبيل المثال، أهمية التعاليق نقول أنها جاءت في حدود خمسين صفحة في الطبعة الفرنسية.

خلت الترجمة الصادرة عن دار رياض 0الريس من تعاليق في غاية الأهمية تتعلق بالسيرة الذاتية للمؤلف، أو بظروف تأليف كتابه. ثم وقعت الترجمة في مزلق شائن عندما خلطت بين دوكورانسيه وجان ريمون. ونظراً لتشابك موضوع كتاب دوكورانسيه مع موضوع كتاب جان ريمون فكان لزاماً التعريف بعمل الأخير وظروف تأليف كتابه.

خلت الترجمة من تعريف للأعلام والأماكن. وهي كثيرة. كما عمد الناشر أو المترجمون إلى حذف المقدمة التي كتبها إداوارد دريبو. وهي موجودة في كتاب جان ريمون. وتم حذف فصلين والتعاليق من كتاب دوكورانسيه. إن حذف الفصل الخامس عشر وعنوانه: اعتبارات عامة عن طبائع الشرقيين، يُعد انتهاكاً صريحاً لحرمة الكتاب.

عمد المترجمون إلى اقتباس نتف من التعاليق المشار إليها آنفاً، ووزعوها في ثنايا كتابهم، بل إنها اختلطت مع تعاليق المترجمين. وهم حذفوا كل تعليق يصعب عليهم معرفته مثل حاشية تتعلق بالأماكن والقبائل. كما أضافوا كثيراً من العبارات والجمل التي لم ترد في الأصل. وهذا تصرف يسيء إلى ترجمتهم. أنظر على سبيل المثال الفقرة الثانية من صفحة

21.أمامنا ترجمة غير دقيقة وغير أمينة. فهم يقولون مثلاً: ابن مضين وابن حرب. والصواب ابن مضيان شيخ قبيلة حرب. وجهينة جاءت عندهم بنو جعيني. ومن العبارات التي لا معنى لها عبارة (اعتمد أسلوباً نظامياً جذرياً) والحديث في الأصل الفرنسي يتعلق بتولي الإمام عبدالعزيز بن محمد مقاليد السلطة. ودو كورانسية يقول إن الإمام عبدالعزيز اتبع أنظمة مقننة.

نحن أمام ترجمة لا تغني عن الإسراع في نشر الترجمة التي قام بها الأخ محمد خير البقاعي. وطالما أننا نؤخر ترجمة أو نشر الأعمال التي تتعلق بالمملكة أو الدولة السعودية، فلا يجوز والحال كما ذكرت، أن نلوم غيرنا. والله الموفق.