اشتريت رواية (أو حكاية) الجنية للكاتب الشاعر المفكر غازي القصيبي، وكنت مع ابني حينما كان يختار هدية في يوم ميلاده، وصادف أني وضعت الرواية في أكياس الهدايا نفسها. ولكن وجود الرواية في كيس هدايا ابني قد سبب له امتعاضًا لكون الجنية قد لامست هداياه. ويبدو أن ذلك الامتعاض قد دفعني إلى التفكير في الراوية؛ ورغم أني كنت أشكو من ضغط الوقت وتراكم الكتب التي تنتظر القراءة، لكنني قرأتها كاملة في اليوم نفسه، وكانت غاية في الإمتاع والفائدة.

وقد قرأت ما كتبه الأستاذ عبدالله الخريف في "ثقافة اليوم" في جريدة الرياض يوم الخميس 6رمضان 1427ه (28/9/2006م)، ولفت انتباهي وصفه لتلك الرواية بالمملة، وأنها من قصص ما قبل النوم. ورغم احترامي لذوق القارىء وانطباعه الذاتي إلا أني عجبت من تسلل الشعور بالسأم بسبب قراءة نص شعرت نحوه بالرغبة في مواصلة القراءة دون توقف حتى أنهيته. ومن البديهي القول بأن اختلاف أصناف الناس في تلقيهم واستجابتهم للنصوص هي بالطبع ما يدعو إلى تعدد أصناف المادة الثقافية والأدبية والمسرحية والغنائية التي تقدم إليهم.

يشار إلى أن الخروج عن النمط التقليدي الذي اعتاده المتلقون يتضمن أمرين: أحدهما يتعلق بسهولة تحويل ذلك العمل إلى سيناريو فيلم أو مسلسل تلفزيوني. والأمر الآخر هو صعوبة تقبل بعض النقاد لذلك العمل، ولهذا فإنهم يعتبرون أي عمل لا يتوافق مع النمط السائد خارجًا عن جنس الرواية أو العمل الأدبي الجذاب.

ولابد من التأكيد على أن عدم التوافق مع النمط التقليدي ليس عيبًا بالضرورة؛ ولكن يبدو أن الناقد يراه عيبًا، فقد طالب الكاتبَ بتعديل مساره في ما يصدر من أعمال لاحقة على الرغم من إقراره بأن هذا الكاتب المبدع غازي القصيبي قد خرج عن ذلك النمط التقليدي مرات عديدة. بل إنه قد أتى بأنماط جديدة في تاريخ الأدب العربي، ذكر منها كاتب المقال روايتي "7" و"العصفورية"، وأغفل الروايتين الواقعيتين: "دنسكو" و"أبوشلاخ البرمائي".

وقد أشار كاتب المقال أيضًا إلى أوجه شبه بين "الجنية" وبين رواية دان براون "شيفرة دافنشي". وأعتقد أن هذا التشابه يمكن اعتباره ميزة لكاتب الرواية (أو الحكاية) لأن ذلك يتضمن دليلا على وجود خط ناجح يشابه هذه الحكاية. ولا يستغرب أن يأتي هذا النجاح من مبدع في الشعر والسرد والسياسة وفهم الثقافة المحلية وملابساتها العلمية والتاريخية.

ولو نظرنا في الوصايا العشر التي تضمنتها الدراسة الميدانية لمركز الأبحاث الجني عن طبائع البشر فسنجد أنها تحوي قيمًا مهمة ربما نغفل عن التركيز عليها. وقد قدم تلك الوصايا أحد شخوص الرواية، وهو الباحث الأنثروبولوجي المتألق (قنديش) الذي أفضى بخلاصة تلك الدراسة إلى بطل القصة (ضاري ضرغام الضبيع) من خلال كبسولة أسماها الوصايا العشر على غرار وصايا موسى العشر؛ لكن البطل الإنسي لم يرد الاستماع إليها كاملة، فلم يعلن إلا عن خمس منها، على غرار وصايا موسى التي كانت هي كذلك خمسًا في العهود التي سبقته، ثم توسعت إلى عشر لتناسب الطبيعة البشرية المتغيرة. (ينظر: فالح العجمي: صحف إبراهيم، ص ص 209- 210؛ 222-223).

ويمكن أن نذكر تلك الوصايا الخمس لأن بعض قراء الرواية، ربما لم يتنبهوا إلى قيمتها في حبكة الحكاية، وهي كما يلي:

1- الانزعاج من سماع الحقيقة والسعادة بالوهم (ص 75):

وهذه وصية جوهرية تعادل الوصية الأولى من وصايا العهد القديم التي مفادها (لا تقتل). وإذا كانت هذه هي الوصية الأساسية عند الأنس، فإنهم حوّروا الوصية الأولى من وصايا الأديان، ليصبح عدم القتل محصورًا في الولي أو الصديق وليس على إطلاقه. بل ابتكرت الأديان على اختلافها وسائل مختلفة في تصنيف البشر وتصنيف طرق التعامل معهم على اعتبار أن الظلم الذي يجب ألا يقع على شخص بعينه، يجوز أن يوقع على غيره؛ وقد عنيت كتب الفكر الديني في كل ملة في البحث عن تبريرات القتل والظلم وتسمياته.

2- لا تتوقع من إنسي الاعتراف بالجميل (ص 151):

قد يكون مصداق هذه الوصية في إطار بحثنا الآن يتمثل في حالات تصلح للقياس في كل حالة مشابهة؛ فالقصيبي لم يكن ليجد المتعة الفكرية التي وجدها في كتابة هذه الحكاية لو لم توجد فكرة الجن التي لا يتفق وجودها كليًا مع العقلانية، ولم يكن الخريف ليجد المجال لنقد تلك الحكاية، ولا لكاتب هذه المقالة أن يعبر عن بعض أفكاره البحثية في هذا الحقل. ومع ذلك لا أحد منا اعترف بالجميل لصاحب الفضل، مع ادعائنا جميعًا الانتماء إلى النخبة الفكرية؛ فكيف تكون الحال مع من لم يرزقوا قدرة على التحليل وإعادة الفضل إلى أصحابه!

3- لا تتوقع اعتدالاً من إنسي (ص 156):

قد نرفض هذه الوصية عندما تكون على إطلاقها، أو عندما تتعلق بنا. فنحن نعتقد بأننا معتدلون، وهذا ما يجعل التطرف يغرس أنيابه، حيث لا نعلم بوجوده بيننا. لكن عندما يتعلق الأمر بالآخرين، ففيهم بالطبع ما يزيد عن ذلك من الهنات. وأظن أن ربط هذه الوصية بالسياق الذي وردت فيه -أي بالجنس والسلطة والمال- سيزيدها علمية وقبولاً لدى تحليل النتائج المرتبطة بدراسات قامت بها أيضًا مراكز بحث إنسية، وتؤكدها مشاهدات يعرفها كل مراقب للمولعين بهذا الثالوث.

4- معرفة حقيقة الشىء دون القدرة على ذكره (ص 176):

وإن كانت هذه الوصية مغلفة بشروط المناهج العلمية البشرية، إلا أنها تؤكد الادعاء العام لدى ضعاف البشر ولدى الفلاسفة على حد سواء من أن هناك أطرًا تحكم توجه المجتمعات البشرية وهي أطر محددة سلفًا، ولا يستطيع أحد مقاومتها. وما العلوم والأديان سوى وسائل لإخضاع العامة وإلزامهم بقبولها. ولدى الخيال الشعبي قدرة أكبر على التمرد ورفض هذه الأسوار، لكنه تمرد لفظي وتنفيسي يسهم في استقرار الأمور أكثر من قدرته على تغييرها.

5- لا تحاول توقع ردود الفعل الإنسية (ص181):

وتعدّ هذه الوصية فرعًا من القاعدة العامة السابقة التي صنفت الناس إلى مؤطِرين (بالكسر) ومؤطَرين (بالفتح)، ومع هذا فإن عدم فهم الباحث قنديش عناصرها من البشر عائد إلى تعدد طبقات كل من الصنفين، مما يؤدي إلى تباين في ردود أفعالهم، بل وإدراكهم لمصدر تلك القيود.

ولا أظننا نحسن صنعًا، إن نحن -أو الباحث المحايد (قنديش) - وضعنا رد الفعل الذي تولد عند هتلر نتيجة ظلم المجتمع - خاصة المحيط الفني- له لدى رفض قبوله في أكاديمية الفنون في قالب واحد مع رد الفعل الذي تولد عند سارتر نتيجة إحساسه بظلم المجتمع ودكتاتورية الديموقراطية الحديثة. كما لا يجدر بنا أن نساوي بين تصورات المؤطِرين (بالكسر) ؛ بين رجل دين يعتقد أنه الحق المطلق وبين سياسي يعرف اللعبة ويتلون بردائها، وبين رجل دين مسيّس يوهم الناس أنه الحق المطلق ويمارس اللعبة بكل أبعادها.

أما الوصايا الخمس الأخرى التي ضنّ بها الجني على محدثه أو ضاق بها ابن الضبيع ذرعًا فيمكن لنا أن نكملها من واقع ثقافي بيئي محلي قياسًا على ما تم في الخمس المكملة في العهد القديم للخمس القديمة من العهود السابقة. وقد أصبحت الوصايا المضافة محلية الطابع تناسب البيئة التي نشأت فيها، وقد تكون هذه إحدى مصادر الحكمة لدى قنديش. فلا بأس أن تتخيل البقية مع كونها قابلة للتعديل أو التأويل.

6- لا تتوقع أن تقف العامة مع الضعيف ضد القوي:

برغم ما تردده مدونات الأخلاق ويدعيه كل مفوه إلا أن الطبع الغالب في هذه البقعة من العالم وقوف الناس مع القوى ضد الضعيف، مهما بلغت قوة ذلك القوي علوًا ونزولاً، ومهما بلغت حاجته إلى التضامن أو انتفت! ولنا أن نتخيل مثلا لو وقف رجل مرور ينهر شخصًا لم يخطئ، فمن المتوقع أنك لن تجد من ينصف المظلوم ولو بكلمة عابرة. أخطاء الأقوياء ضئيلة، وسبحان من لا يخطئ؛ أما أخطاء الضعاف فلا بد أن تبرز، ولا بد من محاسبة المخطئ؟!

7- لا تتوقع أن يدعوك أحد إلى خير محض:

مع استثناءات محدودة تؤكد القاعدة الأصلية -كما يدعى- بأن المكالمات والزيارات لا تأتي إلا بطلبات يرغب أصحابها في الحصول على شيء، أو أن يقوم المقصود بخدمة لهم. ويمكن تعميم هذه القاعدة حتى في دائرة الأصدقاء ورفقاء العمر الذين يتوقع المرء منهم حسابات لخير مشوب بغيره، أو الدعوة إلى خير بهدف تكوين رصيد لطلب خدمة لاحقة. وما يصح في الصداقة يصح على الوالدين والأقرباء الذين يدّعون الحرص الشديد على مصلحة الفرد مع كونها خدعة لغوية، قد لا يعونها عند استخدامهم إياها.

8- آباء النجاح كثيرون، أما الفشل فهو يتيم:

كما يتسم أصحاب هذا الصقع من العالم بالوقوف مع أصحاب السلطة والجاه والمال وقت امتلاكهم إياها، فإنهم أيضًا يتميزون بالتهافت على مواكب النجاح وتبني الآراء التي تسود. أما عند فشل المحاولة، فإن الشركاء يتلاشون، ويتملص كل منهم من مسؤولية المشاركة حتى لو كان الفشل عائدًا إلى ظروف خارجة عن إرادة الفريق أو كان الفشل تأويلاً لنتائج لا تتوافق مع التيار السائد أو المسارات التقليدية.

فهل علم باحثك الجني يا ابن ضبيع عن شخص في هذه الديار انتحر بعد فشل محاولة وقف لها نفسه؟ أو شخص استقال بعد عجزه عن تحقيق ما عهد إليه من مسؤوليات؟ أو أشخاص بقوا أوفياء لأفكار لم تلق رواجًا في سوق "الطمغة"؟

9- اعتبار الأخلاق محصورة في الممارسات الجنسية:

أصبحت الثقافة المحلية من فرط استشراء هذه الوصية تشي بكون صاحبها قد أصبح كائنًا جنسيًا، يختصر القيم في هذا المنحى، ويفسر كل شيء على هذا الأساس، ويقوم الناس بناء على تعاملهم أو تظاهرهم بالحشمة والتحرز. فإذا أشار إلى شيء مطلق فهو الجنس (أو الدلالة الجنسية) خلافًا لثقافات أخرى يدل فيها الإطلاق على الشر أو السياسة أو القوى الخارقة، فكأنما حصرت الأخلاق جميعها عندنا في الجنس.

10- تسمية الأشياء بغير أسمائها:

إن المنطقة الرمادية موجودة في كل ثقافة، ويتسع هامشها تبعًا للبيئة التي يعيش فيها الفرد، وكذلك تبعًا لنصيبه من العلم والشجاعة والكياسة. لكن ثقافة المنطقة التي يغطيها بحث "قنديش" تتسم بكون تلك المنطقة الرمادية هي الأصل الذي تدفن تحته المسميات بألوانها المختلفة. وعندما يتعلق الأمر بالمحظورات، فإن التلوّن يصبح أقوى خطرًا والتمويه أكثر براعةً، لتصبح الأشياء أقل وضوحًا، والصراحة أكثر ضآلةً، والاسم لا يدل على المسمى إلا من وجهة نظر شخصية بحتة، فتتحول إلى دلالة ضيقة تتيح هامش الحركة المشلولة.

لا أدعي أني وافقت قنديش في تنبؤاتي، ولكن لأن الاسم التي تنسب إليه هذه المقالة يحتوي حرف الفاء (من فاطمة الزهراء) والشين (من قنديش) والعين (من عيشة) فإنه يدعو إلى فرصة اتفاق التنبؤ مع ما توصل إليه "قنديش" من نتائج. وكل رواية (أو حكاية) لكاتبنا الكبير والقراء بخير.

faleh@arabictradition.net

@ رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الملك سعود.