• نتفق ونختلف مع كثير مما يهبط على سطح الثقافة من آراء وأحكام ورؤى وشهادات وذلك ديدن الأعمال التي لا تنتسب الى قبيلة الحسم والفصل، لأن لغات الإبداع والفكر مكانها الفضاء ومهمتها التحليق وليس الارتهان إلى قواعد ونظم يمكن الإجماع عليها لذا فإننا في هذه الزاوية سنستعرض بشكل متوال الآراء التي نتفق أو نختلف معها، ولا يعني نشرنا لها أننا نوافقها أو أنها تمثل توجهاتنا، لكننا نقدمها وعلى من يعترض أن يدلي برأيه المجابه أو الموافق أو حتى المصوّب في مدة لا تتجاوز أسبوعاً من تاريخه.

ضيفنا في هذا الأسبوع أديب وناقد محافظ ومتمسك بالأصالة كنا قد توجهنا إليه بسؤال قبل وفاته رحمه الله في حوار لم نتمكن من نشره في وقته وكان السؤال حول الاضطراب والتناقضات التي يضج بها المشهد الثقافي، وحضور المنهج وغياب الناقد فكان رأيه صارماً ورؤيته حادة لكنها مسؤولة وتمثل شخصيته الثقافية والنقدية رحمه الله.

ورغم أن إجابته تقبل الأخذ والرد إلا أن ذلك ليس دورنا وإنما نطالب به المتخصصين في النقد لإحياء روح الاختلاف ونبذ الخلاف.

الاضطراب في المشهد الثقافي العربي حاصل أما ان يكون النقاد الكبار غائبين فليسوا بغائبين ولكن يتم تغييبهم، فالمبدع الذي ينطلق في اطار هذا الهذاء الذي نسميه الحداثة ،والحداثة كما ينبغي أن أبين ليست تجديداً، فكل إنسان يرغب في التجديد، وليست تمسكاً بشعر العرب مثلما كان في الجاهلية أو في العصور التي تلته، ولكننا نريد أدباً عربياً بيناً واضحاً فيه تواصل مع القارئ ومع الإنسان العربي المعاصر، وفيه نبض الحياة العربية ونبض الأفكار التي تعيش بيننا الآن، كل هذا اذا وجد فإن النقاد الكبار لن يتغيبوا عن الساحة ليبينوا ما في هذ الأدب من قيم فنية، اما أن يكتب هذا الكلام الذي ذكرت طرفاً منه من قبل ثم نأتي بالنقاد الكبار فأما أن نجد منهم من يركب الموج ويدعي فهمه لأشياء من هذا النص ليست موجودة فيه أصلاً. واما أنه سوف يقول رأيه بوضوح وصراحة بأن ما يقرأه ليس فيه من الابداع شيء يستحق النظر فيه.

أما أن يكون لدينا نظرية نقدية عربية فهذا حلم نتمناه لأننا من المؤسف - كما تعلم - منذ القرن التاسع عشر ونحن نستلهم من الغرب فكره وأدبه ونقده كما نأخذ منه نظام حياته المتحضرة وفي ظننا أن ذلك يدفع بنا إلى التقدم ويدفع عننا تهمة التأخر، لكن المناهج النقدية والنظريات ينبغي أن تنبت من بيئتها ومن ظروفها ومن قيمها وأفكارها، فوجود مثل هذه النظرية الآن نحن في أشد الحاجة إليه لنقضي على هذا الاضطراب الواضح فيما يسمى بالنقد الذي نراه الآن. وليس لي مبررات أيديولوجية وراء رفضي لبعض المناهج الحديثة في المشهد الثقافي، وأنا من أشد المتصلين بالثقافة الغربية في النقد والدراسات الأدبية وأحب ان اختار وأن أصطفي ما أجده متفقاً مع قيمنا وأصولنا وما هو متواصل مع تراثنا، فلا ينبغي أبداً أن تنفصل عن التراث - ولا أعني بالتراث ان نأخذ كل ما فيه من خير ومن شر، انما نأخذ خيرنا فيه - وكذلك أيضاً نأخذ خير ما في المذاهب الغربية التي صارت الآن ملكاً للإنسانية جمعاء، نحن لا نقف من المذاهب الغربية في الأدب أو النقد موقف الرفض المستمر أو الرفض من أجل الرفض ولكن موقفنا هو موقف الاصطفاء والاختيار وموقف النقد، ولا نحب أبداً أن نكون خاضعين لكل ما يأتي به الغرب ولكل ما يدمر شخصيتنا ويدمر ابداعنا ولغتنا ولا ننسى أن ما في الغرب فيه رفض وفيه عطاء، فمثلاً السريالية هل يتفق عليها كل النقاد والمبدعون في الغرب؟

بالطبع لا.. فهناك معارضون لها، فإذا قلنا الحداثة، بالمعنى الأيدولوجي الذي كان خلاصة آراء لمستقبليين ودادائيين والسرياليين والوجوديين والماركسيين، كل هذا كان خلاصة موضوعة في ما يسمى بالحداثة فنجد كثيراً من البحوث والمؤلفات ضد الحداثة في الفكر الغربي، فلماذا يراد منا أن نخضع خضوعاً كاملاً لما يريد أن يزينه لنا بعض العرب المشبوهين كأمثال أدونيس الذي يروج لهذا الأمر منذ أمد بعيد.

إذن ليس لدي رفض مطلق للغرب ولا للآراء النقدية ولكن هذا الرفض مبني ضد بعض المذاهب التي أراها غير متفقة مع ما ينبغي أن يكون، وعندما نقول إن النقد ابداع فني فلا نكون مغاليين أبداً لأني كما قلت أعتقد اعتقاداً صحيحاً بأن النقد الحديث لم يعد أحكاماً قاطعه ضد النصوص وانما دراسة وتحليل ورؤية يراها الناقد في النص الأدبي عندما يعيش فيه بفكره ووجدانه معاً، وقد يخرج الناقد من قراءته للنص ومعايشته للنص بتفسيرات مختلفة تماماً عن ما كان يفكر فيه المبدع ولاشأن لنا في ذلك بالمبدع، فالمبدع لو قال إنني لم أعن ذلك ولم أفكر في ذلك، فليس معنى هذا أن الناقد قد فشل في رؤيته بل هو صحيح والنقد في هذه الحالة إنما هو اضافة للابداع بوجه آخر، فالنقد يمكن أن يكون ابداعاً فنياً في التحليل والرؤية، وفكرة أن الناقد مبدع فاشل انتهت منذزمن بعيد، هذا أمر كان معروفاً قديماً لكنه الآن مهمة فالناقد مهمته النقد والنقد موهبة ودراسة وعلم وخبرة وهو أيضاً إبداع فني.