يعيش أبناء المملكة اليوم فرحة الاحتفال باليوم الوطني المجيد، وأي احتفال يُقام في هذا اليوم وبأي وسيلة كانت، وفي أي موقع، هو احتفال للوطن الكبير من أبنائه، مها اختلفت مشاربهم، وتنوعت مذاهبهم، فهم يجتمعون في حبهم المخلص لوطنهم المملكة العربية السعودية.

في هذا التحقيق نلتقي بعدد من مشايخ الطائفة الشيعية في المنطقة الشرقية من المملكة، الذين أكدوا من خلال "الرياض" على حبهم وولائهم وانتمائهم لوطنهم المملكة، مشيرين إلى أن الشيعة كاخوانهم السنّة، كان لهم دور بارز في استقبال الملك الموحد عبدالعزيز عندما فتح الأحساء، ورفضهم القاطع للإغراءات التي قدمت لهم للتعاون مع "الأجنبي" ضد الملك عبدالعزيز، مقابل أن تُسلم لهم السلطة، فكان ردهم أنهم موالون ومطيعون للملك عبدالعزيز ضد أي أجنبي.

وحدتنا الوطنية

في البداية تحدث الشيخ نجيب الحرز مسئول الثقافة والإرشاد في الحوزة العلمية في الأحساء عن مناسبة الاحتفال باليوم الوطني، وقال: إن بزوغ نور اليوم الوطني هذا اليوم يعني أن جزءاً كبيراً من مشاعر وأحاسيس المواطن السعودي تستوعب الطائفة والمذاهب لتنصهر في وحدة وطنية وفي جو من التفاهم والتباصر والرؤى الموضوعية لخدمة الوطن، كما يوفر اليوم الوطني مناخات من الانسجام الاجتماعي بين المواطنين واستثمارها بشكل واع في بناء ثقافة المواطنة، التي تعتبر ركيزة أساسية لإيجاد صيغ توافقية بين أبناء المجتمع الواحد.

شراكة مع الوطن

ويقول الشيخ محمد العباد: إن بلادنا العزيزة التي نعيش فيها هي بمثابة المظلة التي تقينا حرارة الأحقاد، وتبث في نفوسنا برودة المشاعر، وهي تجسد ما روي عن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (حب الوطن من الإيمان)، وحب الوطن يعني حب ترابه، وحب من يعيش على ذلك التراب، فقد تختلف الانتماءات الفكرية وغيرها، ولكن يجب ألا نختلف في وطنيتنا، لأنها هي التي تضمن التعايش السلمي، بل هي وقود لبناء وطن متحضر يحفظ للمواطن حقوقه، مشيراً إلى أن الشيعة في المملكة يؤمنون بأنهم شركاء مع إخوانهم السنّة في ولائهم الوطني، وكذلك في خدمته والذود عن حياضه والدفاع عنه.

تنمية الهوية

الشيخ نجيب الحرز يُذكّر بأولويات مهمة في هذا اليوم المجيد، فيقول: الكثير منا يتغنى بحبه للوطن في نظرة لا تتجاوز البعد الرومانسي التي ترسخت عبر التربية التعليمية التي نشأنا عليها منذ الصغر، وعندما نلاحظ السلوك الاجتماعي خارج إطار المؤسسة التربوية نجد العكس، أي أن روح التربية الوطنية لم تترسخ بما فيه الكفاية لجعل هذه الروح هي صلة الوصل بين أبناء هذا المجتمع.

ويضيف: هذا السلوك المعاكس جعل من أبناء المجتمع السعودي يخفي هويته باعتبارها هوية ترتكز بالأساس على قاعدة حب الوطن المتمثل في الدولة من جهة، وحب الأرض والالتصاق بها وبقيمها من جهة أخرى، ويظهر بدلاً من ذلك الهوية القبلية والطائفية، لذلك نركز كما قلنا سابقاً على كيفية استثمار هذه المناسبة في تنمية هذه الهوية على الصعيد الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي على حد سواء.

في سياق الحديث عن كيفية تكريس حب الوطن يوضح الشيخ نجيب ذلك بالقول: قد يبدو للوهلة الأولى أن مسألة تكريس حب الوطن كمفهوم ثقافي داخل المجتمع هي من أهم المسائل التي ينبغي على النخب المثقفة من جميع الطوائف أن تأخذها في الحسبان، وأن تضع لها الخطط والأهداف الاستراتيجية الكفيلة بإظهار هذا الحس الحضاري الذي بدونه لا يمكن أن ينهض المجتمع وينمي نفسه في سلم القيم والحضارة أمام الشعوب الأخرى، لذا علينا أن نعيد منظومتنا الثقافية ليس لحذفها أو شطبها من التفكير والممارسة، ولكن لأخذها إلى مناطق أكثر استيعاباً واستثماراً بما يتوافق واللحظة الراهنة التي يمر بها الوطن من منعطفات حاسمة في تاريخه الحديث.

الشيخ عادل بوخمسين يؤكد أن الإنسان الوطني هو الذي تعلّق بوطنه المملكة حباً ليس قولاً وإنما عملاً.

الحوار الوطني

ويلفت الشيخ نجيب الحرز النظر إلى جهود خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في معالجة الظواهر السلبية عبر إطلاق مشروع الحوار الوطني، فيقول في هذا السياق: لقد رأينا كيف قامت الدولة في سعيها الدؤوب لعلاج الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع السعودي كإلغاء الآخر، مشيراً إلى أن الحوار الوطني الذي جاء بمبادرة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله هو دلالة أكيدة على روح التحدي والتصدي لعلاج هذه الظواهر، وكذلك لفتح الأبواب بين طوائف هذا البلد لخلق حوار بناء يرتكز على التقارب والفهم، وليس التباعد وسوء الفهم.

بدوره أشار الشيخ عادل بوخمسين إلى المبادرة الكريمة من خادم الحرمين الشريفين بدعوته إلى الحوار الوطني، وذلك لترسيخ ثقافة الحوار عند النخب الاجتماعية بكل توجهاتهم، لينعكس على بقية فئات المجتمع وعموم شرائحه، ليتجذر مبدأ الحوار الذي فقد حتى في داخل الأسرة الواحدة والمجتمع الواحد، وليكرس الحوار الوطني في بلدنا المملكة أخلاقيات تتمثل في الاعتراف بالاخر، واحترامه، وعدم إقصائه .. حوار يصنع الوئام والانسجام بين الناس، وحوار يوصل إلى المعرفة، ويكشف الحقيقة، حوار المحبة النابعة من صدق المواطنة، مؤكداً أن الحوار أتاح الفرصة لالتقاء أبناء الوطن من طوائف عدة على طاولة واحدة، وهو لم يكن متاحاً في وقت سابق.

كيف ننمي مفهوم المواطنة الحقة؟

ويجيب الشيخ نجيب على هذا التساؤل بقوله: إن تنمية هذا الجانب لا يمكن اقتصارها على النخب المثقفة بين الطوائف، لكن يبدو من وجهة نظري أن التوجه إلى النشء باعتباره الحاضن الأهم في تنمية مفهوم المواطنة التي تستوعب الفهم الحقيقي لوظائف الدولة في علاقتها بالمجتمع هو الأهم في هذه المرحلة بالتحديد، وهذا لا يتطلب جهوداً فردية فقط، وإنما تعتمد في الأساس على فاعلية مؤسسات الدولة جميعها دون استثناء، وبالتالي الدخول في مشاريع حقيقية ونهضوية في تبني بناء الفرد المواطن الذي يقدم ولاءه للوطن وليس للقبيلة أو الطائفة، وهذا في ظني هو الرهان الحقيقي في نجاح أي مشروع تقدمي لأي دولة حديثة كدولتنا.

وقال: إننا في عالم تتعدد فيه العلاقات الدولية التي تُبنى على مصالح استراتيجية يكون بناء الإنسان هو الهدف والغاية، والشعوب الاوروبية مثلاً لم تتطور إلا عندما وضعت نصب أعينها هذه الاستراتيجية كخيار وحيد لا يمكن الاستغناء عنه على الإطلاق، وهذا ما ينبغي أن يكون علينا خياره في هذا القرن الذي تتصارع فيه شتى القوى كي تحكم الإنسان باسم الإنسان نفسه، فهل نحن مستوعبون هذا التحدي؟!

من جانبه يلخص الشيخ عادل الأمير مفهوم الوحدة الوطنية بقدرة الوطن على التقدم بخطى متقنة تجاه أهدافه العليا ليستثمر كل ألوان التنوع والتعدد في المجتمع ويعتبرهما أحد أهم ثروات ذلك الوطن، إلى جانب التوافق والتماثل لتحقيق تلك الأهداف وخدمتها، كما أن المواطنة تعني مكافحة بل الوقاية من داء العنف والإرهاب اللذين يشكلان أزمة في الأخلاق والدين، بل الفطرة الإنسانية، وذلك من خلال الوقاية في كل ما يمكن أن يشكل سبب وعدم التساهل في علاجه مهما كان حجمه وأشكاله ومبرراته.

من هو المواطن؟!

الشيخ عادل بو خمسين يعرّف المواطن بأنه الإنسان الذي يضع وطنه المملكة العربية السعودية في سلم أولوياته، مضحياً بالغالي والنفيس دفاعاً عن ترابه، وعن كل شبر منه، فالوطن لا يبيعه إلا الخونة، والذين تنكروا لجميله، ليكونوا من اللئام، والوطن لجميع من ولد وعاش وانتمى إليه مهما كانت مشاربهم واتجاهاتهم الدينية والمذهبية والفكرية، لكل واحد منهم نفس الحق الذي للآخر، لأن هذا الحق يكتسب من الوطن الحبيب، لا من جهة أخرى، وليس لأحد أن يزايد على الوطن، مدعياً أنه الوطني الأول، وفئته الأولى وغيره أصحاب وطنية من الدرجة الثانية أو الثالثة.

ويضيف: ليس لأحد الحق الاستئثار بالوطن بأي حجة كانت، فالوطن للجميع، حيث يصطف المواطنون كلهم لبناء الوطن والدفاع عن حياضه، وحينها تسقط أوراق (التوت) عن المتسلقين على حساب الوطن، فتنكشف حقيقتهم وزيف إدعاءاتهم وخواء شعاراتهم، فهؤلاء الذين مزقوا الوطن وصنفوا فيه البشر ليجعلوا من أنفسهم أصحاب الحظوة والحبوة، هؤلاء هم أول من يتنكر لوطنهم إذا تضررت مصالحهم وتغير حالهم!

وقال: يُعرف المواطن حينما يتعرض الوطن لخطر، وحينما يكيد له عدو ليمزقه أوصال، أو ليزرع الفتنة فيه، حينها من يثبت عند لقاء العدو هو المواطن الحق. ويختزل الشيخ عادل الأمير تعريفه للمواطنة الحقة في الولاء والحب للوطن دون غيره.

ثقافة التسامح

ويرى الشيخ محمد العباد ضرورة وجود عدد من العناصر في مجتمعنا تساعد على انتشار ثقافة التسامح منها: إرساء قيم الاختلاف واحترام الاخر، وأن يكون التدين مظهراً من مظاهر الرحمة بدلاً من أن يكون عكس ذلك، إلى جانب أن تكون ثقافة التعايش السلمي هي الخطاب الذي نسمعه في البيت والمسجد والشارع، كذلك قطع الطريق أمام الفكر المتشدد ومحاصرته ومنع كل ما من شأنه إثارة الفتن على أساس طائفي. ويبيِّن الشيخ عادل بوخمسين أنه ينبغي أن تسود بين المواطنين روح التسامح ونبذ الإقصاء من طرف لآخر، وهو ما أكد عليه العقل والدين وكل التشريعات والقوانين البشرية، وإذا ما برز خلاف أو بعض وجهات النظر كان الحوار هو السائد، حوار بين أبناء الوطن من أجل خير الوطن، حوار العقلاء لا حوار (الطرشان)، حوار تغليب المصلحة العامة لصالح الوطن فلا تقديم للمصالح الفئوية أو المناطقية أو أي تصنيف آخر. ويعتقد الشيخ جواد الجاسم أن التسامح هو القوة المنسية التي لا بد لمجتمعنا أن يتعرف عليها ويدرك أهميتها، مبيناً أن تواصلنا كمواطنين وتعاطينا في الشؤون الحياتية والاجتماعية على جميع الصُعد وبشكل متحضر هو الذي يبني مستقبلنا الزاهر، ولن نتقدم إلا إذا أرسلنا أمثال هذه المفاهيم في عقول أبنائا.

حقوق المرأة

ونحن نتحدث في مناسبة عزيزة على قلوب الجميع كان لزاماً علينا أن يكون لنصفنا الآخر (المرأة) جزء من حديثنا لنتناول أهم المواضيع التي عشناها وتعايشنا معها في بلادنا الغالية خلال الفترة الأخيرة.

الشيخ محمد العباد يرى أن هناك ممارسات ستساعد المرأة لتنال حقوقها في مجتمعنا، ومنها:

الأول: تجديد النظر الفقهي في الأمور التي تعيق المرأة من ممارسة دورها السياسي كما هو في أمر مجلس الشورى ترشيحاً، وترشحاً لعضوية المجلس، ونحن نقرأ القرآن الكريم حيث يقول الله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} ولم يخصص هذا بالرجال بل هو عام يشمل النساء.

الثاني: تأسيس جمعيات ومؤسسات شرعية ومدنية تعنى بحقوق المرأة، وتكون مرجعاً لها لنيل حقوقها، فالمرأة عندما تفتقد المرجعية في ذلك فستعاني من ظلم الرجل لها، وسيتمادى الرجل في ذلك، لأنه من أمن العقوبة أساء الأدب.

الثالث: نشر ثقافة احترام المرأة وحقوقها، وقد أكد القرآن الكريم على ذلك، قال الله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن}، بل لا بد من تصحيح النظرة إلى المرأة، فهي ليست مجرد أنثى، بل هي إنسانة قبل أن تكون أنثى، وهنا لا بد أن ننظر إلى حقوقها كإنسانة قبل أن ننظر إلى خصوصيتها كأنثى، ويؤسفني أن أقول إن أهم عامل في حرمان المرأة حقوقها هي هذه النظرة الضيقة حتى أصبح مجتمعنا مجتمعاً ذكورياً وليس مجتمعاً إنسانياً يشمل المرأة.

ويرى الشيخ جواد الجاسم أن المملكة استشعرت أن المرأة نصف المجتمع، وقد أولاها الإسلام مكانة خاصة لم تحفل بها في جميع الأديان والمجتمعات البشرية، وهذا ما حرصت بلادنا الغالية على تحقيقه، كما فتحت لها الافاق لمشاركة الرجل في كثير من المشتركات وفق ضوابط شريعتنا الإسلامية السمحة.