تطرق البابا بنديكتوس السادس عشر خلال زيارته الى المانيا الى موضوع حساس جدا هو العلاقات مع الاسلام وعرض تأملات مشوبة بالحذر حيال ديانة اخذ عليها انها لا تدين بالشدة المطلوبة العنف الذي يمارس باسم الايمان وان «المشيئة الالهية» فيها منقطعة عن العقل.(!!)

ولم يسبق للبابا الذي جعل من الحوار بين الاديان احدى اولويات بابويته، ان تطرق علنا وبهذا الوضوح الى الاسلام.

غير انه لم يتردد الثلاثاء غداة الذكرى الخامسة لاعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2001 في ادانة «الجهاد» و«اعتناق الدين مرورا بالعنف» بلغة مبطنة، خلال حديث الى اساتذة جامعيين وطلاب في راتيسبون جنوب المانيا.

واستند البابا الذي كان يشغل مقعدا لتدريس اللاهوت وتاريخ العقيدة في جامعة راتيسبون منذ 1969، الى فكر استاذ جامعي ليقيم تمييزا واضحا ما بين المسيحية والاسلام على صعيد العلاقة بين الايمان والعقل.

وقال «ان الله في العقيدة الاسلامية مطلق السمو ومشيئته ليست مرتبطة باي من مقولاتنا ولا حتى بالعقل». واقام مقارنة مع الفكر المسيحي المشبع بالفلسفة الاغريقية، موضحا ان هذا الفكر يرفض «عدم العمل بما ينسجم مع العقل» وكل ما هو «مخالف للطبيعة الالهية».

وذكر مقطعا من حوار دار في القرن الرابع عشر بين امبراطور بيزنطي و«فارسي مثقف». ويقول الامبراطور للمثقف «ارني ما الجديد الذي جاء به محمد. لن تجد الا اشياء شريرة وغير انسانية مثل امره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف».(!!) وكان البابا شدد صباحا في راتيسبون امام حشد من المسيحيين ضم اكثر من مئتي الف شخص وبدون ان يذكر ديانة معينة، على اهمية «ان نقول بوضوح باي اله نؤمن» في مواجهة «الامراض القاتلة التي تنخر الديانة والعقل». وقد حرص بنديكتوس السادس عشر في كلمته على توضيح انه يستعير تعابير وحجج آخرين، الا ان كلمته اثارت العديد من التعليقات الاربعاء.

أعربت منظمة المؤتمر الاسلامي عن أسفها لما تضمنته المحاضرة التي القاها بابا الفاتيكان بندكت السادس عشر يوم 12 سبتمبر 2006م في جامعة ريجنسبرغ في المانيا بعنوان العقيدة والعقل وذكريات الجامعة وتأملاتها والتي تعرض في مقدمتها الى الاسلام والى شخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والى صفات الله في القرآن الكريم.

وقالت المنظمة في بيان أصدرته الليلة الماضية إن ما أورده البابا عن سيرة الرسول وعما اسماه بنشر الاسلام بحد السيف من المغالطات المسيئة للعقيدة الاسلامية مؤكدة أنه لم يكن هنالك مايبرر اقحامها في نص المحاضرة لأنها خارجة عن السياق وعن الفحوى الاساسي لها باعتراف قداسته شخصيا ولأنها تسيء الى سيرة النبي الذي تتهمه بإتيان الشرور وكل ماهو غير انساني في تناقض كبير لما اثر عنه عليه السلام عبر العصور كونه رحمة للعالمين.

وأضافت «أن نعته انتشار الاسلام في العالم بكونه تم عن طريق اراقة الدماء والعنف مما يتعارض مع طبيعة الله اتهام باطل يدل على جهل بالدين الاسلامي وتاريخه». وقالت «لما كان الاسلام قد بجل كل الانبياء المرسلين وخص منهم بالذكر النبي عيسى عليه السلام وامه الطاهرة مريم ابنة عمران واضفى عليهما طابع القداسة وجعل الايمان بنبوة المسيح ورسالته القائمة على التسامح والمغفرة والرحمة جزءاً من كمال الدين الاسلامي فان المنظمة تربأ بنفسها عن الخوض فيما قامت به الكنيسة من حروب صليبية وحروب دينية في اوربا وتنكيل المسلمين في محاكم التفتيش باسم رسالة المسيح السمحة».

وأعربت المنظمة عن أملها الا تكون هذه الحملة المفاجئة معبرة عن توجه جديد لسياسات الفاتيكان ازاء الدين الاسلامي خصوصاً بعد عقود من الحوار جمعت رجال الفاتيكان ورجال الدين والفكر في العالم الاسلامي منذ عهد البابا الاسبق بولوس السادس كما ترجو ان يصدر عن الفاتيكان ما يعبر عن حقيقة موقفه من الاسلام وتعاليمه.

من ناحيته طالب الشيخ يوسف القرضاوي أمس البابا بنديكتوس السادس عشر بالاعتذار لدى المسلمين بعد «الإساءة» إلى دينهم.

ودعا القرضاوي رئيس اتحاد العلماء المسلمين وعضو المجلس الأوروبي للفتوى البابا إلى أن يعتذر لأمة الإسلام عن الإساءة إلى دينها، متسائلاً في بيان مطول: إن كان الحبر الأعظم يريد أن نغلق أبواب الحوار ونستعد لحرب أو حروب صليبية جديدة؟ وأضاف: «ليست هذه المرة الأولى التي يقف البابا الحالي من الإسلام والمسلمين موقفاً سلبياً يظهر فيه الإهمال أو التوجس أو ما هو أكثر». من جانب اخر ردت شخصيتان كويتيتان أمس على كلمة بابا الفاتيكان التي ربط فيها ضمنا بين الجهاد والارهاب، داعين بنديكتوس السادس عشر الى الاعتذار. وحث الامين العام لحزب الامة الكويتي حاكم المطيري البابا على تقديم «اعتذار فوري صريح للعالم الاسلامي عما صدر عنه من طعن بالنبي محمد وبالدين الاسلامي». من جهته، رفض وكيل المراجع الشيعية في الكويت السيد محمد باقر الموسوي المهري كلام البابا معتبرا انه «مخالف للحقيقة والواقع»، داعيا بنديكتوس السادس عشر الى الاعتذار.

وكتبت صحيفة «فرانكفورتر الغيماينه تسايتونغ» ان «البابا تطرق الى مفهوم «الجهاد» ليظهر الفارق بين المسيحية والاسلام».

وقال جيل كيبيل الخبير الشهير في الاسلام في مقابلة اجرتها معه صحيفة «لا ريبوبليكا» الايطالية ان البابا «حاول الدخول في منطق النص القرآني» لكنه رأى ان النتائج «تنطوي على مجازفة لان الخطاب قد يحمل قسما من المسلمين على التطرف». وكان عالم اللاهوت المعارض هانس كونغ اكثر تشددا حيث رأى في تعليق اوردته وكالة الانباء الالمانية ان «هذه التصريحات لن تلقى بالتأكيد ترحيبا لدى المسلمين وتستوجب توضيحا عاجلا». كذلك انتقد اعجاز احمد عميد الجالية الباكستانية في ايطاليا والعضو في اللجنة الاستشارية حول الاسلام التي انشأتها الحكومة، في تصريحات لوكالة الانباء الايطالية «آمل الا يستخدم الاسلاميون الاصوليون هذا الكلام»، داعيا البابا الى «سحب كلامه». واضطر الاب فيديريكو لومباردي المدير الجديد للمكتب الاعلامي التابع للحبر الاعظم مساء الثلاثاء الى التحدث الى الصحافيين ليوضح ان «البابا لم (يشأ) اعطاء تفسير للاسلام يذهب في اتجاه العنف».

غير ان بعض خبراء الفاتيكان رأوا ان البابا اراد على ما يبدو وضع شروط لحوار مع المسلمين قبل اسابيع قليلة من زيارته المقررة الى تركيا بين 28 و30 تشرين الثاني/نوفمبر. وقد عارض الكاردينال السابق يوزف راتسينغر باستمرار انضمام هذا البلد الاسلامي الى الاتحاد الاوروبي. إلى ذلك علّق رئيس دائرة الشؤون الدينية التركية علي برداق اوغلو على تصريح بابا الفاتيكان بنديكتس قائلاً بأنه تصريح مشين ومؤسف باسم العالم المسيحي. وأعرب برداق اوغلو عن استغرابه من تصريح البابا قائلاً: «إذا كان البابا يعبّر عمّا يكنّه من حقد وعداء فإنه يعاني حالة نفسية خطرة». وطالب برداق اوغلو البابا بسحب أقواله والاعتذار عن ذلك التصريح مؤكّداً أن الغرب يقيّم دين الإسلام ونبيه والعالم الإسلامي بأسلوب عدائي وأحكام مسبقة بعيدة عن النهج العلمي. وأردف يقول: «لقد شنت الكنيسة حروباً صليبية في الماضي وألّبت شعوب الغرب على الإسلام. وقام علماء اللاهوت المسيحيين منذ القرن الرابع بتقسيم العالم إلى عالم مسيحي وعالم شيطاني، وبقيت العقلية الغربية على هذه الشاكلة التي ترى أن أقدس واجب هو الحرب على غير النصارى. ومازالت فكرة الحرب المقدّسة والذهنية الصليبية تهيمن حتى الآن على عقول رجال الكنيسة. ويبدو أن تصريح البابا مظهر لتلك الذهنية». وأضاف برداق اوغلو: «إننا نقبل النقاش والنقد، لكن إطالة اللسان والتجرأ على المقدّسات والأنبياء والكتب المنزّلة لا يمكن أن يعتبر إلاّ وقاحة ترمي إلى تأجيج الصراع الديني. إن الكثير في الغرب يقيّم الثقافات الأخرى بأسلوب أناني نابع عن التفوّق العسكري والتقني للغرب، غير أن الحضارة الحقيقية تكمن في الفضائل الإنسانية والأخلاقية وفي احترام الإنسان. وتحدث البابا في تصريحه عن نقص العقلية العلمية في الاسلام فليوضحوا لنا أولاً عقيدة التثليث. فأين العقل في الادعاء بأن المسيح عيسى هو ابن الله».